باسل مصطفى السعيد **
استيقظت مبكرًا يوم الجمعة- كغير العادة- أخذت هاتفي لأتقصى أثر الرسائل والمُكالمات التي غبت عنها وعبثت بهاتفي الحديث، متفاجئًا بعدم سماع زئير الإشعارات في وجهي كالعادة وكأنَّه زئير طفل جائح ما أن ضغطت على الشاشة لتستيقظ من سوادها ومن سباتها الذي لطالما اشتاقت للتخلص منه. اكتشفت حينها أنني غير متصل بالإنترنت، انتظرت بضع ثوانٍ ثم قمت من مكاني لا تفقد موزع الإنترنت، وجدته يومض بهدوء كأنّه يسخر من حيرتي، عدت إلى غرفتي منتظرًا قدوم البشارة، وعندما لم تأت اكتشفت أن هذا الصندوق الصغير هو الذي يتحكم بمزاج البيت.
ظللت أحدق بالتطبيقات دون التمكن من دخولها، كان ذلك الشعور تمامًا يضاهي شعور فتح ثلاجة فارغة بعد ساعات من الجوع الشديد. ظللت أراقب عقارب الساعة، تمر الدقائق كالساعات وها أنا ذا متكئ على سريري الصغير الذي لطالما ضم أحلامي وتعبي وطموحاتي وأفراحي وأتراحي منتظرا آذان المغرب لأكسر صيامي بما تيسر من مقاطع الريلز. فتحت هاتفي لآخر مرة قبل أن أجد رسالة من شركة الاتصالات لتخبرنا بأن الإنترنت لن يكون متوفرًا خلال الأربع والعشرين ساعة المقبلة! إنها الصدمة الكبرى التي تلقيتها منذ نعومة أظفاري صدمة الرجوع أو إن شئت صدمة الصعود إلى الهاوية.
استغرقت قرابة الثلاثين ثانية لاستيعاب سوء الموقف الذي أعيشه وجلست أفكر في طرق للبقاء على قيد الحياة؛ بدأتُ أتجول في أرجاء البيت كالباحث عن كنز مفقود، محاولًا استجماع ما تبقى لي من صبر للصمود أمام هذا الفراغ الموحش.
كُسر الصمت بصوت والدي متسائلًا: "لماذا لا يوجد إنترنت؟" قبل أن تصله الرسالة هو أيضًا أسمعه يتأفف متجرعًا مرارة الخيبة. يبدو أننا جميعًا سنصعد سويًا إلى الهاوية.
جرّني الملل إلى الصالة أملًا في أن أجد ما أعبئ به فراغي والصمت الذي طالما طغى على الأجواء ولف جميع أركان البيت في الساعة التي قضيتها وحيدا قبل أن ينهض الجميع.
بعد ما يُقارب النصف ساعة من الجلوس على الأريكة فإذا بالقبيلةِ قاطبةً قد اجتمعت في صعيدٍ واحد؛ ليس احتفالًا، بل حشدًا للمنكوبين. وجوهٌ واجمة وعيونٌ ترنو إلى الفراغ، نقتسمُ جميعًا رغيفَ المللِ ذاته. بعد أن احتسينا الشاي بكل بُطء ننتظر حدثًا لن يحدث، بدأنا نتبادل الأفكار حول كيفية قضاء هذا اليوم وما هي الأنشطة التي يُمكننا الاستمتاع بها خلال هذا الوقت؟ توصلنا إلى شيء واحد- كما أقنعتنا أمي- يبدو أنها هي الشخص الوحيد الذي يفكر في هذا البيت أن لكل واحد منَّا موهبة مدفونة أو نشاط يحبه فليذهب كل واحد منَّا لاكتشاف مهاراته وإمكانياته التي طالما كانت مدفونة ومنسية تحت وهج الشاشات الزرقاء.
أما أبي فوجدته في كرسيه هزاز ينفض الغبار عن كتاب كان صديقه الذي لا يُفارق خلوته. أما أمي، فقد انطلقت نحو الشرفة وانهمكت في تقليم شتلاتها وغرس بذورٍ جديدة في التربة. كانت تلمس الأوراق بعناية فائقة، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة تعكس إخلاصها الشديد وحبها لما نسته خلف الستائر. وأما أختي- ولأول مرة- رأيتها منغمسة في عملٍ ما، رأيتها ترسم بكل شغف لوحة فنية لم أفهمها بعد، ثم أغلقت الباب مستغرباً لعدم رؤيتها تصور (سيلفي) مع فليتر في (سنابشات) أو تنزل ستوري جديد.. إنه المعجم اللغوي الجديد الذي صار أكثر المعاجم اللغوية شيوعا على ألسنة شباب اليوم دون عناء معلم اللغة العربية والذي كان يعلمنا تحليل النص الأدبي ويطرح علينا أسئلة المعاجم أليست هذه مفارقة غريبة؟! وكانت المفاجأة الأكبر عندما دخلت غرفة أخي متوقعًا انغماسه في الألعاب الإلكترونية، فوجدتُ البلايستيشن مغلقًا ولم أجده في الغرفة.
ذهبت إلى الحديقة لأجده يحاول إصلاح دراجته-التي لم أره يركبها منذ مدة- بكل إخلاص وحيوية.
انتهى بي المطافُ في غرفتي، حيث بدأتُ أرتّب خزانتي القديمة، وبينما كنتُ أنبش في زواياها، وقعت يدي على مضرب كرة الريشة القديم الذي ذكرني بمعارك خُضناها معًا، ودفتر رسومات مليء بالخرابيش؛ فاستعدتُ معهما ذكرياتٍ وقصصًا. وأيقنت أن حلاوة الحياة الحقيقية تكمن في اكتشاف أنفسنا والتي بدت لنا غريبة على أنفسنا! والاستمتاع بهواياتنا، فهي الأحق بكثير من قضاء ساعاتٍ طويلة ضائعة خلف الشاشات.
كان يوما سيسجل في ذاكرة البيت أنه اليوم الحق.
** طالب في مدرسة أحمد بن ماجد الدولية
