يوم في حياتي بدون إنترنت

آلاء المنصوري **

استيقظت في خيمتي على صوت زقزقة العصافير ونسيم الصباح الجبلي البارد الذي يداعب وجهي بلطف. كعادتي التلقائية اليومية دون أي تفكير، امتدت يدي باحثة عن هاتفي كي أفتح الرسائل الجديدة وأتفقد آخر المستجدات، إلا أنني تذكرت فجأة أننا في رحلة تخييم بعيدة، وأن شبكة الإنترنت مقطوعة تمامًا عن هذه المنطقة لمدة أربع وعشرين ساعة كاملة. سيطرت عليَّ نوبة من القلق والتوتر في اللحظات الأولى، شعرت وكأنني فقدت حاسة من حواسي الأساسية أو أنني انفصلت عن العالم، فلم أستطع تخيل عيش يوم كامل دون ألعابي الإلكترونية والدردشات على مواقع التواصل الاجتماعي.

سرعان ما ذابت مشاعر القلق عندما ناداني أصحابي بصوت كله بهجة لأساعدهم في إعداد وجبة الإفطار الصباحية. شرعنا جميعًا في جمع الحطب وإشعال النار الهادئة، وبدأنا بطبخ طعامنا بأنفسنا وسط النكت والضحكات العفوية. أدركت لحظتها أن غياب الأجهزة والشاشات منحنا فرصة ثمينة لننظر إلى وجوه بعضنا البعض بدقة أكثر، وننصت لقصصنا باهتمام لم نجرّبه من قبل. ذهب التشتت الذهني الذي كان يسببه الرنين الدائم للإشعارات، وحل محله حضور عقلي كامل في تفاصيل اللحظة الحالية.

انقضت ساعات الظهيرة، وانطلقنا في مغامرة استكشافية للتلال المجاورة، وبدلًا من الانشغال بالتقاط الصور ومقاطع الفيديو لنشرها لاحقًا، تنعمت بجمال الطبيعة بعيني المجردتين، وأحسست بارتباط عميق مع الأرض من حولي. وحين حل المساء، تحلقنا حول نار المخيم المتوهجة التي كانت المصدر الوحيد للدفء والضوء. تعالت أصوات العزف اللطيفة على الغيتار وامتزجت بأجمل الأناشيد الكشفية الجماعية التي ترددت على ألسنة كل القاعدين، ونردد بحماس تحت فراش السماء المرصعة بالنجوم التي بدت أجمل وألمع من أي ضوء أو شاشة.

لعبنا ألعابًا حركية وذهنية قديمة بعض الشيء، وتشاركنا الألغاز والقصص المشوقة من بعض أطراف الكشافين والقادة الكبار، فشعرت حينها برابطة أخوية عميقة تتجاوز تلك الصداقات الإلكترونية السطحية. إن الاعتماد المفرط على الإنترنت قد سرق منا هذه الصلات الإنسانية وحولنا إلى جزر معزولة رغم القرب المكاني. أدركت أن الإدمان الرقمي يسلبنا القدرة على الاستمتاع بالبساطة ويجعل عقولنا في حالة استنفار دائم.

عندما حان وقت الخلود إلى النوم في تلك الليلة، لم أشعر بأي إحساس بالضيق لغياب الشبكة، بل شعرت بامتنان عميق لهذا الحرمان المؤقت. فقد أتاح لي هذا اليوم فرصًا عديدة ذهبية لاكتشاف قدراتي في التواصل، والتركيز على هواياتي، وتقوية علاقاتي الاجتماعية الحقيقية. غادرت هذه التجربة بيقين أن الحياة خارج نطاق الشبكة مليئة بالفرص والجمال، وأن التوازن هو المفتاح الذهبي لوقاية عقولنا ودراستنا وعلاقاتنا من مخاطر الغرق الكلي في العالم الافتراضي، لنستعيد بذلك جوهر حياتنا الحقيقية.

** طالبة

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z