من مسقط إلى سان فرانسيسكو.. رحلة علم ورسالة وطن

 

 

 

شيماء بنت عادل آل جمعة **

 

لم تكن مُشاركتي في مؤتمر الجمعية الدولية للتعليم المقارن والدولي لعام 2026، الذي عُقد في مدينة سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية، مجرد حضور علمي عابر، بل كانت تجربة إنسانية عميقة، حملتُ فيها اسم عُمان، ورسالة مجتمع يُؤمن بالعلم والسلام والحوار.

بدأت الرحلة من إيمان داخلي بأنَّ الباحث لا يكتفي بإنتاج المعرفة، بل يحمل مسؤولية تمثيل بلده في المحافل الدولية، والمشاركة في الحوارات العالمية التي ترسم ملامح المستقبل، ومن هذا الإيمان، جاءت مشاركتي امتدادًا لطموح يتجاوز حدود الذات، ويعكس ما تمتلكه سلطنة عُمان من كفاءات بشرية قادرة على الحضور، والتأثير، والتعبير عن قيمها الحضارية والإنسانية في منصات دولية وعالمية.

كان المؤتمر يطرح قضايا تتجاوز حدود التعليم التقليدي، ليتناول أدوار التعليم في تعزيز السلام، وبناء التماسك المجتمعي، ومواجهة التحولات الرقمية المتسارعة، وفي هذا السياق، وجدت أن الحضور في مثل هذه المساحات ليس ترفًا علميًا، بل ضرورة تعكس مكانة عُمان بوصفها بلدا يُؤمن بالحوار، ويرسخ قيم التعايش، ويمد جسور التواصل مع الشعوب من خلال المعرفة والفكر والبحث العلمي.

وقد منحتني هذه المُشاركة شعورًا مضاعفًا بالمسؤولية، لا سيما أنني كنت الطالبة العُمانية الوحيدة المشاركة في هذا المؤتمر، لم يكن الأمر بالنسبة لي تمثيلًا شخصيًا فحسب، بل كان حضورًا باسم وطنٍ أعتز بالانتماء إليه، وطنٍ علّمنا أن السلام قوة، وأن الحوار رسالة، وأن الانفتاح على العالم لا يعني الذوبان فيه، بل تقديم الهوية العمانية بثقة ووعي واتزان.

وفي لحظة تقديم بحثي، شعرت أنني لا أعرض فكرة أكاديمية فقط، بل أقدم صوتًا عُمانيًا يؤمن بأنَّ التعليم قادر على صناعة السلام، وأنَّ القيادة التربوية يمكن أن تسهم في بناء الإنسان، وأن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون أداة لتعزيز العدالة، وتوسيع الفرص، وخدمة المجتمعات. كانت تلك اللحظة بالنسبة لي اختبارًا حقيقيًا لمعنى الانتماء؛ إذ أدركت أن تمثيل الوطن لا يكون بالشعارات، بل بالمعرفة، والاستعداد، وحسن الخطاب، والقدرة على التواصل مع الآخر بلغة راقية تعكس صورته الحضارية.

ولم تكن الرحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية مقتصرة على جلسات المؤتمر، بل كانت تجربة ثقافية وإنسانية ثرية، ففي مدينة سان فرانسيسكو، وجدت نفسي أمام تنوع واسع في الثقافات والأفكار والتجارب، وهو ما عمّق لديّ الإيمان بأنَّ العالم يحتاج إلى مزيد من الحوار، وأن عُمان بما تحمله من إرث حضاري قائم على التسامح والسلام قادرة على أن تكون حاضرة في هذه الحوارات العالمية حضورًا هادئًا ومُؤثرًا.

لقد عززت هذه التجربة قناعتي بأن رؤية "عُمان 2040" لا تُقرأ فقط بوصفها وثيقة وطنية، بل تُترجم في قصص الشباب العُماني حين يخرج إلى العالم حاملًا علمه، وهويته، وثقته، وطموحه، فكل مشاركة دولية واعية هي امتداد للاستثمار في الإنسان، وكل حضور في منصة عالمية هو رسالة بأن هذا الوطن قادر على الإسهام في صناعة مستقبل أكثر سلامًا ومعرفة وإنسانية.

عدت من هذه التجربة وأنا أشدُّ يقينًا بأن الباحث يمكن أن يكون سفيرًا لبلاده، بالوعي، والكلمة، والسلوك، والقدرة على بناء جسور إنسانية وعلمية مع العالم، كما عدت بقناعة أعمق بأن تمثيل بلادي في المحافل الدولية مسؤولية تستحق الإعداد، والاجتهاد، والحرص على أن تكون صورة الوطن حاضرة بما يليق بتاريخه ومكانته.

قد تبدأ الفرص بخطوة صغيرة، لكنها قد تفتح أبوابًا واسعة نحو تجارب تصنع الفارق، وبين مسقط وسان فرانسيسكو، لم تكن الرحلة مجرد عبور جغرافي بين مدينتين، بل كانت تحولًا في الوعي، واتساعًا في الأفق، وتجربة رسخت بداخلي أن الانتماء الحقيقي يظهر حين نحمل هويتنا معنا أينما ذهبنا، ونقدمها للعالم علمًا، وسلامًا، وقيمًا، وحضورًا يليق بعُمان.

وهكذا، لم تكن مشاركتي في المؤتمر مجرد محطة أكاديمية؛ بل كانت تجربة تحمل معنى أعمق؛ رسالة انتماء، وصوتًا يعكس قيم السلام، وشهادة اعتزاز بعُمان التي نفخر بأن نكون حضورها المشرق في كل محفل، وصورتها الممتدة إلى العالم.

** باحثة دكتوراه في كلية التربية بجامعة السلطان قابوس

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z