كان – عبدالستار ناجي
مجدّدًا، يحضر فيلم مغربي جديد ضمن الاختيارات الرسمية لـ مهرجان كان السينمائي الدولي، وهو أمر لم يعد مستغربًا على السينما المغربية وصُنّاعها، في ظل حضور أسماء بارزة، من بينها نبيل عيوش ومريم التوزاني وأسماء المدير وغيرهم.
وقبل التوقّف عند الفيلم الجديد، لا بد من الإشارة إلى أن نسبة كبيرة من المشاركات المغربية ظلّت تعزف على الإيقاع ذاته، والمتمثل في المرأة التي تتحوّل غالبًا إلى سلعة للتسويق والترويج.
وفي فيلم «الأحلى» للمخرجة ليلى مراكشي، نذهب إلى المحور ذاته. ولعلّ جملة محورية تنطق بها الشخصية الرئيسية تختصر الكثير من مضامين العمل، إذ تقول:
«نضحّي بأجسادنا... وكل ذلك مقابل لا شيء!».
هذا التعبير المؤلم يأتي على لسان بطلة الفيلم «الأحلى» – وفق المصطلح الإسباني – و«فراولة» بحسب الترجمة الإنجليزية. ويُعدّ الفيلم أول عمل روائي طويل للمخرجة ليلى مراكشي منذ أكثر من عقدين، كما قالت عقب صعودها إلى منصة العرض مع فريق العمل على مسرح «كلود ديبوسي»، ردًا على المدير الفني للمهرجان تييري فريمو.
يروي الفيلم قصة ظروف العمل المزرية للعمال الموسميين الذين يتعرّضون للإهانة من قبل أصحاب العمل في جنوب إسبانيا، وهو يختلف تمامًا عن فيلم مراكشي الذي حقق لها الشهرة «ماروك» (2005)، وهو فيلم رومانسي تناول قصة حب بين شابين فرّق بينهما الاختلاف الديني، وكذلك فيلمها «روك ذا كاسبا» (2013) الذي تناول لمّ شمل عائلة، بطولة نادين لبكي وهيام عباس.
ويقوم ببطولة الفيلم الجديد نسرين الراضي، التي شاهدناها سابقًا في فيلم «الجميع يحب تودا» للمخرج نبيل عيوش عام 2024، حيث تؤدي شخصية «حسناء»، المرأة الهادئة الباحثة عن فرصة أفضل للحياة بعد أن تركت طفلها، قبل أن تجد نفسها مضطرة لإظهار شجاعتها في مواجهة ما تعرّضت له صديقتها وزميلاتها من معاناة الهجرة والغربة، في سبيل تأمين مستقبل أسرهن.
وتغادر حسناء المغرب للعمل الموسمي في إسبانيا، حيث تعمل في قطف الفراولة مع صديقتها مريم، التي تؤدي دورها هاجر غرايغا. إلا أن حسناء تضطر إلى الكذب بشأن سجلها الجنائي، بعدما قضت ستة أشهر في السجن بتهمة الزنا، في محاولة يائسة لكسب المال واستعادة حضانة ابنها.
ورغم قسوة ظروف العمل، تنشأ حالة من الصداقة السطحية بين العاملات، كما تجد بعضهنّ صاحب العمل «إيفان» جذابًا. غير أن الأمور تنقلب بعد اعتدائه جنسيًا على مريم، لتدخل حسناء في مواجهة معقدة، وتلجأ إلى المحامية المحلية «بيلار»، التي تؤدي دورها الممثلة الإسبانية إيتساسو أرانا، سعيًا لتحقيق العدالة.
وهنا تتداخل الحكايات بين حسناء الساعية إلى تأمين مستقبلها، ومريم التي تعرّضت للاعتداء، والمحامية، ومجموعة العاملات اللواتي تجاوزن دوافعهن الفردية ليصبحن كتلة واحدة، حتى لو كان الثمن الترحيل والعودة إلى بلادهن.
العنوان الأصلي «الأحلى» يحمل الكثير من الدلالات، بعضها واضح، وأخرى تستدعي التأمل والتحليل، خصوصًا في ما يتعلق بالشخصيات النسائية. فالفيلم يوحي بأن النساء العاملات في الأعمال الموسمية أصبحن أشبه بـ«ثمار» جاهزة للاستهلاك، على الأقل وفق نظرة أصحاب العمل الذين يستغلّون حاجتهن الماسّة إلى المال في ظروف قاسية وغير عادلة. وهو ما يقدّم معادلًا سلبيًا تجاه المرأة المغربية المناضلة التي تضحي من أجل أسرتها.
ويتميّز البناء السردي بالبساطة والوضوح، وإن بدا منشغلًا أحيانًا بالهوامش والمشاهد المكرّرة التي لا تُكثّف البناء الدرامي، فضلًا عن تفاوت في بناء بعض الشخصيات. فحسناء، التي تصمت في اللحظة الأصعب، تتحوّل لاحقًا إلى شاهدة تُجبرها الوقائع على التعبير عن تضامنها، رغم ما قد يترتب على ذلك من خسارة وظيفتها الهشّة في إسبانيا.
ويضم الفيلم عددًا من المشاهد والشخصيات التي لا تشهد تطورًا واضحًا، إلى جانب حوارات وأداءات تبدو مستعادة من أعمال مغربية سابقة، باستثناء الأداء اللافت للثلاثي نسرين الراضي وهاجر غرايغا وهند.
ومن خلال المراحل الثلاث التي يبني عليها الفيلم أحداثه؛ الهجرة والوصول، ثم الاعتداء والمعاناة، وأخيرًا المواجهة القانونية والمحاكمة، يبدو الفصل الثالث من العمل مبتورًا نسبيًا، إذ تتسرّع ليلى مراكشي في تناول الإجراءات القانونية المرتبطة بقضايا الاعتداء.
وفي المقابل، يبرز حضور إيتساسو أرانا، في دور المحامية «بيلار»، التي تبدو كأنها «الفارس الأبيض»، بينما تلمّح مراكشي بذكاء إلى أنها أكثر انخراطًا في القضية من النساء أنفسهن، رغم عجزها أحيانًا عن تذكّر أسماء موكّلاتها.
ونخلص إلى أن فيلم «الأحلى» لليلى مراكشي، رغم أهمية نهايته المفتوحة على جميع الاحتمالات، يعيد تقديم ثيمة شاهدناها في عدد غير قليل من الأعمال المغربية، التي لا تزال تعزف على مقام «المرأة» لأسباب ترويجية بحتة، وتحويل القضايا الكبرى إلى صورة المرأة «الأحلى» الجاهزة لفعل أي شيء من أجل البقاء. وهو ما ينطوي على قدر من الظلم لمكانة المرأة المغربية والعربية عمومًا، ولدورها الحقيقي في المجتمع.
ويبقى أن نقول إن فيلم «الأحلى» يحتاج إلى مراجعات أكبر على مستوى كتابة النص، بصريًا ودراميًا.
