كان – عبدالستار ناجي
المخرج الياباني ريوسوكي هماجوتشي احد المبدعين الكبار في السينما اليابانية وهو من مواليد عام 1978 وفي مسيرته مجموعة من الاعمال السينمائية البارزة ومنها – وكان شيئا لم يكن – 2003 و – عاطفة – 2008 و وغيرها من الاعمال وصولا الى – قد سيارتي – 2021 وهو من تلك النوعية من الصناع الذين يشتغلون على قضايا انسانية واجتماعية كبري .
وهو هنا في فيلمه الجديد – صدفة – او – كل شي بالصدفة – ( حسب الترجمة الانجليزية ) وهو يستند بشكل فضفاض إلى الكتاب الواقعي "أنت وأنا - المرض يزداد سوءًا فجأة" من تأليف ماكيكو ميانو وماهو إيسونو. من بطولة ( البلجيكية الفرنسية )فيرجيني إيفيرا و( اليابانية ) تاو أوكاموتو. الفيلم عبارة عن إنتاج مشترك بين فرنسا واليابان وألمانيا وبلجيكا وصور بين اليابان وفرنسا .
المتن النمحكي من هذا الفيلم يذهب الى حكاية مديرة دار رعاية المسنين( فيرجيني ايفيرا ) تقع في ضواحي باريس تطبيق أسلوب رعاية إنساني يُعرف باسم "الإنسانية"، على الرغم من المقاومة من الجهات الرسمية التى تنظر الى الامر بشكل مادي يحول الانسان الى سلعة . تتغير حياتها عندما تلتقي بكاتبة مسرحية يابانية مصابة بمرض عضال تُدعى ماري موريسكي ( تاو اوكاموتو ) حيث يشهد الفيلم مباراة رفيعة المستوى في الاداء الهادئ الرصين من قبل هذا الثنائي الذي يجسد حالة عالية المستوى من الاداء ومن قبلها الفهم للتحولات التى تمر بها الشخصيات . وبالذات مرحلة ما بعد تردي الحالة الصحية لماري .
استُلهم الفيلم بشكلٍ غير مباشر من مجموعة رسائل متبادلة بين الفيلسوفة ماكيكو ميانو وعالمة الأنثروبولوجيا الطبية ماهو إيسونو، نُشرت في كتاب "أنتِ وأنا - المرض يزداد سوءًا فجأة".
تتناول الرسائل أفكار ميانو وإيسونو حول الحياة والمرض والموت، حيث كانت ميانو تُكافح سرطان الثدي النقيلي؛ فقدت ميانو وعيها بعد فترة وجيزة من كتابة مقدمة الكتاب، وتُوفيت بعد 15 يومًا.
تلقى هاماجوتشي عروضًا عديدة بعد إصدار فيلمه "قُد سيارتي"، ولم يلتفت إلى المشروع إلا بعد أن تأثر بشدة بالمراسلات بين المرأتين. طوّر المشروع على مدى عامين، وسافر إلى فرنسا لهذا الغرض، بما في ذلك استضافة ورشة عمل مع ممثلين فرنسيين لمراقبة أدائهم.
استعدادًا لدورها، تعلّمت إيفيرا اللغة اليابانية بل اجادتها باتقان عال . وبما أن هاماجوتشي قد قرر نقل الأحداث إلى فرنسا، فقد فكر في كيفية إنشاء جسر بين فرنسا واليابان، واستقر على نهج علاجي يسمى الإنسانية: "إنها طريقة فرنسية تم استيرادها إلى اليابان ويتم ممارستها الآن في العديد من الأماكن هناك، وتضع البعد الإنساني في صميم الرعاية العلاجية، من أجل سلامة كل إنسان .
ماري لو مديرة دار العجزة تواجه التحديات من قبل القيادات الصحية والاقتصادية المعنية والتى تتصور مثل هذة المصحة مستودع لحصاد المال من قبل اسر العجزة تلتقي بالصدفة مع مخرجة يابانية ( ماري ) تقدم مسرحية لممثل ياباني الذي يعيش مع ابنه الذي يعاني من التوحد وتعجب ماري لو بطروحات العرض المسرحي وتنشأ علاقة وطيدة بين السيدتين خصوصا بعد ان تتفجر المشاكل الصحية للمخرجة اليابانية والتى تعمل ماري لو على استضافتها في المصحة للعلاج وايضا السكن في مقابل تقديم ورش خاصة بالتعامل مع المرضي من جوانب نفسية وجسدية تعتمد صيغ للحركة والتامل .
في الفيلم كمية من الحوارات التى تتنوع بين البعد الفلسفي لتوضيح فلسفة الجانب الانسانى الذي تريدة مديرة الملجأ وتؤمن به المخرجة اليابانية . حوارات توضح القيم الانسانية الكبري للعلاج والتعاطي مع كبار السن خراج صيغ المنظور المادي البحث الذي تريدة الادارات المالية للدول .
تلك العلاقة الانسانية التى جمعت بين الصديقتين كان لها المنحي الكبير على مسيرتها المهنية منحىً شخصياً عميقاً حين تلتقي ماري موريسكي، ومع تطور العلاقة بينهما، تبدأ تفاعلاتهما في إعادة تشكيل فهم ماري لو للرعاية والموت والحضور العاطفي. يستكشف السرد تطور علاقتهما في سياق التبادل الثقافي بين فرنسا واليابان، مسلطاً الضوء على اختلاف وجهات النظر حول المرض وتجارب نهاية الحياة .
يُعد هذا الفيلم، من إخراج ريوسوكي هاماجوتشي، أول أعماله باللغة الفرنسية، ويواصل فيه استكشافه لأسلوب سرد القصص الحميمية التي تركز على الشخصيات.ورغم بعض الملاحظات حول طول مدة الفيلم – ثلاث ساعات و16 دقيقة – الا ان الايقاع كان متمسكا متناميا شديد الاشتغال على الحفر داخل الذات الانسانية عبر جميع الشخصيات التى تظل رغم كون بعضها في الهامش الا انها ثرية وعميقة .
وحينما نصل الى نهاية مشوار الفيلم حيث ينثر رماد المخرجة اليابانية في المنطقة الريفية التى كانت تعيش بها بينما تواصل مديرة المصحة عملها تكون خيوط الفيلم قد شكلت نسيجا دراميا سينمائيا يستحق العرض في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي 2026
ويبقي نقول .. هكذا يكون التعاون السينمائي المشترك .
