الرياضة في عُمان.. من قطاع مدعوم إلى اقتصاد منتج

 

 

 

 

د. سليمان بن علي البلوشي **

بينما تتحول الرياضة حول العالم إلى صناعة اقتصادية ضخمة تقود الاستثمار والسياحة والإعلام والتكنولوجيا، لا يزال القطاع الرياضي في سلطنة عُمان يتحرك داخل النموذج التقليدي القائم على الدعم الحكومي والإنفاق التشغيلي، رغم امتلاك السلطنة مقومات طبيعية وسياحية وبنية أساسية تجعلها مؤهلة لبناء اقتصاد رياضي قادر على خلق الوظائف، وجذب الاستثمار وتحفيز قطاعات اقتصادية متعددة.

السؤال اليوم لم يعد مرتبطًا بالرياضة بوصفها نشاطا شبابيا أو تنافسيا فقط، بل بقدرتها على التحول إلى أحد القطاعات الداعمة للتنويع الاقتصادي ضمن مستهدفات رؤية عُمان 2040. فالدول لم تعد تنظر إلى الرياضة باعتبارها ترفيها جماهيريا، بل باعتبارها صناعة متكاملة ترتبط بالسياحة والاقتصاد الرقمي وصناعة المحتوى والاستثمار والضيافة والخدمات. وفي ظل التحديات التي تواجه الاقتصادات المعتمدة على النفط، تبدو الرياضة بالنسبة لعُمان فرصة اقتصادية حقيقية لم تُستثمر بعد بالشكل الذي يتناسب مع الإمكانات المتاحة.

الرياضة عالميًا.. اقتصاد يتجاوز حدود الملاعب

خلال العقدين الماضيين؛ تحول القطاع الرياضي إلى واحد من أسرع القطاعات نموا في الاقتصاد العالمي، حيث تشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع شركة أوليفر وايمان إلى أن حجم الاقتصاد الرياضي العالمي يبلغ نحو 2.3 تريليون دولار سنويا، مع توقعات بارتفاعه إلى نحو 3.7 تريليون دولار بحلول عام 2030.

ولم يعد هذا الاقتصاد قائما فقط على البطولات والأندية، بل على منظومة متكاملة تشمل حقوق البث والرعاية التجارية والسياحة الرياضية والتكنولوجيا الرياضية، والمنصات الرقمية وصناعة المحتوى والترفيه والخدمات الصحية. كما يُتوقع أن يصل حجم سوق الفعاليات الرياضية عالميا إلى نحو 885 مليار دولار بحلول عام 2033، مدفوعا بالنمو المتسارع في السياحة الرياضية وحقوق النقل والرعاية التجارية. وفي السياق نفسه، تتوقع مؤسسة أمبيير أن يتجاوز الإنفاق العالمي على حقوق البث الرياضي 78 مليار دولار بحلول عام 2030.

أما في أوروبا، فقد أصبح الاقتصاد الرياضي يمثل نحو 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي بحسب تقديرات المفوضية الأوروبية، وهو ما يعكس حجم التحول الذي شهدته الرياضة من نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي متكامل تتنافس الدول على جذب استثماراته وتعظيم عوائده.

الخليج العربي يتحرك بسرعة

في منطقة الخليج العربي، لم تعد الرياضة مجرد ملف شبابي أو ترفيهي، بل أصبحت جزءا من الاستراتيجيات الاقتصادية والسياحية للدول. السعودية، على سبيل المثال، ضخت مليارات الدولارات في الأندية والبطولات والفعاليات العالمية ضمن رؤية 2030، وأصبحت الرياضة جزءا من خطط جذب الاستثمار والسياحة وتنشيط الاقتصاد غير النفطي، خصوصا بعد استضافة بطولات كبرى في كرة القدم وسباقات السيارات والملاكمة والغولف.

أما قطر، فقد استخدمت كأس العالم 2022 بوصفه مشروعا اقتصاديا وسياحيا وإعلاميا، وأسهمت البطولة في تنشيط قطاعات الضيافة والسياحة والنقل والخدمات، إلى جانب المكاسب المرتبطة بالصورة الدولية للدولة والبنية الأساسية.

وفي المقابل، لا تزال عُمان تتحرك بوتيرة أكثر تحفظا، رغم امتلاكها مقومات مختلفة قد تجعلها قادرة على بناء نموذج رياضي اقتصادي أكثر ارتباطا بالطبيعة والسياحة البيئية والرياضات المفتوحة.

عُمان تمتلك المقومات.. لكن الاستثمار لا يزال محدودًا

تمتلك سلطنة عُمان عناصر يصعب تجاهلها في أي مشروع اقتصادي رياضي، من سواحل طويلة، وجبال، وأودية، ومسارات طبيعية، ومناخ شتوي معتدل، واستقرار سياسي، وهي عوامل تمنح السلطنة ميزة تنافسية في الرياضات البحرية، وسباقات التحمل والرياضات الجبلية والسياحة الرياضية البيئية.

وخلال السنوات الماضية، استضافت السلطنة فعاليات أثبتت قدرتها على الحضور في المشهد الرياضي الدولي، مثل "طواف عُمان" للدراجات، وسباقات الإبحار العالمية، والفعاليات المرتبطة برياضات المغامرات والجبال، غير أن هذه الأنشطة تعد أقرب إلى فعاليات موسمية، ولم تتحول حتى الآن إلى صناعة اقتصادية متكاملة قادرة على خلق تدفقات مالية وفرص استثمارية مستدامة.

كما أن السلطنة أنفقت خلال العقود الماضية مبالغ كبيرة على البنية الأساسية الرياضية عبر إنشاء المجمعات والصالات والمنشآت الرياضية في مختلف المحافظات. ووفق بيانات رسمية صادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في عام 2021، تمتلك عُمان 68 منشأة رياضية حكومية، تشمل 44 منشأة للأندية الرياضية، و13 مركزا رياضيا، و12 مجمعا رياضيا موزعة على مختلف المحافظات. لكن العائد الاقتصادي المباشر من هذه الأصول لا يزال محدودا، بسبب استمرار هيمنة النموذج التشغيلي التقليدي، وضعف الاستثمار التجاري في هذه المنشآت.

المشكلة ليست في الإنفاق.. بل في النموذج الاقتصادي

التحدي الحقيقي الذي يواجه الرياضة العُمانية لا يتعلق بغياب المنشآت أو نقص التمويل الحكومي، بل بغياب نموذج اقتصادي قادر على تحويل الرياضة إلى قطاع منتج. فبعد عقود من الإنفاق الحكومي، لا تزال غالبية الأندية والهيئات الرياضية تعتمد بصورة شبه كاملة على الدعم الحكومي والإعانات السنوية، بينما تبقى مساهمة القطاع الخاص محدودة، وتظل الإيرادات التجارية المرتبطة بالرعاية وحقوق البث والتذاكر والتسويق والمحتوى الرقمي ضعيفة مقارنة بالأسواق الرياضية المتقدمة.

وفي الوقت نفسه، لا تزال الأندية الرياضية تعمل بعقلية إدارية تقليدية يغلب عليها الطابع الاجتماعي والتطوعي أكثر من كونها مؤسسات اقتصادية احترافية تمتلك خططا استثمارية أو علامات تجارية قادرة على خلق موارد مستقلة.

الأكثر أهمية أن السلطنة لا تمتلك حتى اليوم قاعدة بيانات اقتصادية دقيقة تقيس مساهمة الرياضة في الناتج المحلي، أو عدد الوظائف المرتبطة بالقطاع، أو حجم السوق الرياضي، أو العوائد الاقتصادية للفعاليات والمنشآت الرياضية. ومن دون هذه المؤشرات، يصبح من الصعب بناء سياسات اقتصادية واضحة أو جذب استثمارات طويلة الأجل، وهو ما يجعل تقييم كفاءة الإنفاق الرياضي أو قياس العائد الاقتصادي للقطاع مسألة شديدة الصعوبة.

كيف يمكن تحويل الرياضة إلى قطاع اقتصادي حقيقي؟

التحول الحقيقي لا يبدأ بزيادة الإنفاق، بل بإعادة تعريف الرياضة بوصفها قطاعا اقتصاديا متكاملا، وقد تتمثل الخطوة الأولى في تحويل المنشآت الرياضية من مرافق تشغيلية إلى أصول استثمارية. ففي الاقتصادات الحديثة، لم تعد الملاعب والصالات مجرد أماكن للمباريات، بل أصبحت مراكز اقتصادية تضم الفعاليات التجارية والمعارض والمطاعم والمتاجر والخدمات الترفيهية والمساحات الاستثمارية.

كما تمثل السياحة الرياضية واحدة من أكبر الفرص المتاحة لعُمان، خصوصا مع تنامي الطلب العالمي على الرياضات المرتبطة بالطبيعة والمغامرات، فالسلطنة تمتلك بيئة مناسبة لبناء هوية رياضية مرتبطة بالجبال والبحر وسباقات التحمل والدراجات والرياضات البحرية، وهي أنشطة يمكن أن تدعم قطاعات الضيافة والفندقة والنقل والمشروعات الصغيرة والمتوسطة في المحافظات.

ومن الممكن أيضا تطوير مناطق رياضية وسياحية متخصصة، وتقديم حوافز استثمارية للشركات الراعية، وإطلاق شراكات بين الحكومة والقطاع الخاص لإدارة وتشغيل بعض المنشآت الرياضية وفق نماذج أكثر كفاءة واستدامة.

كذلك، تحتاج السلطنة إلى تطوير تشريعات اقتصادية رياضية أكثر وضوحا، تشمل الاستثمار الرياضي، والخصخصة وحقوق البث والرعاية التجارية، إلى جانب تأسيس قاعدة بيانات وطنية للاقتصاد الرياضي تساعد على قياس الأداء والعوائد الاقتصادية بصورة دقيقة.

من يقود التحول؟

غير أن نجاح هذا التحول يتطلب وجود جهة قادرة على قيادة ملف الاقتصاد الرياضي بصورة مؤسسية واضحة، تجمع بين الرياضة والاستثمار والسياحة والاقتصاد الرقمي. فملف بهذا الحجم لا يمكن أن يظل محصورا داخل الإطار الإداري التقليدي للقطاع الرياضي، بل يحتاج إلى شراكة أوسع تضم وزارة الثقافة والرياضة والشباب، ووزارة التراث والسياحة، وجهاز الاستثمار العُماني، ووزارة الإعلام، والقطاع الخاص، إلى جانب المؤسسات المعنية بالاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال. كما أن بناء استراتيجية وطنية للاقتصاد الرياضي، تتضمن أهدافا اقتصادية واضحة ومؤشرات قياس أداء محددة، قد يكون خطوة ضرورية لتحويل الرياضة من قطاع إنفاق إلى قطاع إنتاج واستثمار.

القطاع الخاص.. الغائب عن المعادلة

حتى اليوم، لا يزال القطاع الخاص بعيدًا عن الاستثمار الرياضي طويل الأجل، بسبب غياب الحوافز الواضحة وضعف البيئة التشريعية وعدم وضوح النموذج الاقتصادي للقطاع. وفي عالم أصبح فيه الاقتصاد الرياضي قائمًا على الإعلام والمنصات الرقمية وصناعة المحتوى، تبدو هذه المجالات محدودة محليًا رغم الفرص الكبيرة المرتبطة بها، خصوصا مع النمو المتسارع للاقتصاد الرقمي في المنطقة. فالرياضة الحديثة لم تعد تعتمد فقط على المباريات، بل على المحتوى الرقمي والتفاعل الجماهيري والرعاية والإعلانات والمنصات الإعلامية، وهي قطاعات لا تزال تحتاج إلى تطوير أكبر في السوق العُماني.

 

 

خطر التأخر عن المنافسة الخليجية

ومع التسارع الكبير للاستثمارات الرياضية في الخليج العربي، قد تجد عُمان نفسها خارج المنافسة الإقليمية على السياحة الرياضية والفعاليات والاستثمارات المرتبطة بالقطاع إذا لم تبدأ بسرعة في تطوير نموذج اقتصادي رياضي أكثر مرونة وقدرة على جذب رأس المال الخاص.

فالدول الخليجية لم تعد تتنافس فقط على النفط أو السياحة، بل أيضا على الاقتصاد الرياضي باعتباره قطاعا قادرا على خلق الوظائف وتنشيط قطاعات الضيافة والخدمات والنقل والإعلام. وفي عالم تتزايد فيه المنافسة على استضافة الفعاليات الكبرى، تصبح سرعة تطوير التشريعات والنماذج الاستثمارية عاملا حاسما في تحديد موقع كل دولة داخل الاقتصاد الرياضي الإقليمي.

الرياضة ليست بديلًا للنفط.. لكنها قد تصبح رافدًا مهمًا

قد لا يتحول القطاع الرياضي في عُمان إلى قطاع بحجم النفط أو اللوجستيات أو السياحة، لكنه يمتلك القدرة على أن يكون رافدا اقتصاديا مهما يدعم التنويع الاقتصادي، ويوفر الوظائف ويحفز الاستثمار المحلي وينشط قطاعات متعددة مرتبطة بالخدمات والسياحة والاقتصاد الرقمي.

لكن تحقيق ذلك يتطلب تحولًا حقيقيًا في طريقة التفكير والسياسات العامة، يقوم على الانتقال من مفهوم "الدعم الرياضي" إلى مفهوم "الاقتصاد الرياضي"؛ فالدول التي نجحت في هذا المجال لم تنجح لأنها شيدت ملاعب أكثر، بل لأنها تعاملت مع الرياضة بوصفها صناعة اقتصادية متكاملة، والفرصة ما تزال قائمة أمام عُمان، لكن الوقت لم يعد مفتوحًا!

** كاتب وباحث رياضي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z