الصين والحجم الحقيقي لأمريكا

حاتم الطائي

◄ الصين تُرسخ مكانتها كقوة عظمى ونِدٍ قوي للولايات المتحدة

◄ ازدهار الصين يخدم النظام العالمي ويدعم الاقتصادات النامية

◄ التراجع الأمريكي يتزايد في ظل إخفاقات ترامب داخليًا وخارجيًا

خلال اليومين الماضيين، ترقَّب كثيرون نتائج القمة الصينية الأمريكية في بكين، بعدما بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زيارة إلى الصين، التقى خلالها بالرئيس شي جينبينغ، وعقدا لقاء قمةٍ شهدت حضورًا نوعيًا من المسؤولين الأمريكيين وعدد من أبرز رجال التكنولوجيا والصناعات الحديثة، فيما طغت الفخامة الصينية على الأجواء، وتجلى ذلك في الانبهار اللافت الذي أبداه الوفد الأمريكي في "معبد السماء" الصيني.

وربما أصيب بعض المُراقبين بخيبة أمل تجاه القمة التي لم يخرج عنها أي بيان مُشترك، ولم تُترجم إلى اتفاقيات مليارية كما حدث في زيارات سابقة لرؤساء أمريكيين، لكنني أرى أنَّ القمة كتبت فصلًا جديدًا في مسار العلاقات الصينية الأمريكية، فصلاً لا يعتمد على حجم الصفقات ولا طبيعة المداولات والتصريحات السياسية، وإنما ينعكس في الرُّؤية الدولية للصين، باعتبارها قوة عظمى وندًا أصيلًا للولايات المتحدة، وليس فقط دولة صاعدة تسعى للحاق بالركب الأمريكي أو منافسته في مجالات التجارة والتكنولوجيا. الصين- وخلال زيارة ترامب لبكين- برهنت أنها على قدم المساواة مع الولايات المتحدة، كقوة اقتصادية وسياسية وعسكرية واجتماعية وعلمية وفنية وغيرها.

لقد أُتيحت لي الفرصة لزيارة الصين مرات عديدة، استطعتُ خلالها أن أبني تصورًا متكاملًا عن طبيعة هذه الدولة العريقة، التي تستمد قوتها من عمقها التاريخي وحاضرها المُزدهر؛ فالصين ليست دولة حديثة العهد، ولا هي كيان ناشئ أوجدته الظروف الجيوسياسية وحركة التاريخ والحروب، وإنما دولة متجذرة الأصول في التاريخ الإنساني، استطاعت أن تقود شعبها نحو مسارات التقدم والتنمية، وخلال عقود قليلة، نجحت في التحول من نموذج الدولة الفقيرة ضعيفة الإنتاج، إلى الدولة الغنية غزيرة الإنتاج. هنا تشابكت النجاحات الصينية مع المساعي الأمريكية للهيمنة العالمية، وترسيخ نموذج النظام العالمي أحادي القطب، بينما ساهم الصعود الصيني في تأكيد أهمية بناء نظام عالمي ثنائي القطب أو مُتعدد الأقطاب.

الصورة الذهنية التي يستطيع أي مُحللٍ أو مُراقبٍ مُنصفٍ أن يرسمها عن الصين، أنها بلد يحظى باستقرار مذهل على المستويات كافة؛ فتبدو الصين دولة مؤسسات راسخة أكثر ثقةً وثباتًا، قادرة على التقدم وتحقيق الازدهار، بناءً على عوامل ومقومات لا حصر لها؛ فالصين دولة غنية بالموارد الطبيعية من معادن ومياه عذبة وشواطئ ممتدة على المحيط، وأنشطة زراعية هائلة، وقدرة تصنيعية لا حدود لها، وتقدم تكنولوجي ينافس التقدم الأمريكي؛ بل يتفوق عليه أحيانًا بالنظر إلى التباين النسبي في الإمكانيات. ولا أرى مُبررًا منطقيًا لأن تظل النظرة إلى الصين قاصرة على فكرة الصناعات منخفضة التكلفة، أو المنتجات ذات الجودة الأقل مقارنة بالمنتجات الأوروبية أو الأمريكية، فهذا الأمر لم يعد قائمًا بأيَّ حال من الأحوال، حتى إن المنتجات الأوروبية والأمريكية أصبحت صينية المنشأ، بفضل القدرة التصنيعية الكبيرة بجودة لا تقبل المقارنة.

ولذلك نُؤكد أنَّ الصين في علاقاتها مع الولايات المتحدة لم تعد تتعاطى معها باعتبار أن واشنطن قوة عظمى، وإنما على أساس أن كلًا من الصين وأمريكا ندان متكافئان، وقوتان متساويتان بمختلف المقاييس، فكما أن الولايات المتحدة قوة اقتصادية، نرى الصين قوة اقتصادية بذات الدرجة، وليست مجرد منافس تقليدي أو خصم يسعى لاقتطاع جزء من كعكة الاقتصاد العالمي، ومن هنا نستطيع أن نقرأ الفارق بين الناتج المحلي لكل من الصين وأمريكا، على أنَّه فوارق في قيمة العملة وليس حجم الاقتصاد، بل إن الاقتصاد الصيني وبمعايير القيمة المضافة له محليًا ودوليًا، ربما يتفوق على الاقتصاد الأمريكي الذي يخدم بصورة أساسية الولايات المتحدة فقط، وما يُساعد أمريكا على ذلك قدرتها على طباعة الدولار دون رقيب أو حسيب، ما يمنحها دائمًا التفوق- نظريًا- على أي اقتصاد آخر، بينما عمليًا لا يبدو الاقتصاد الأمريكي في مكانته الحقيقية التي يستحقها.

وفي ضوء هذا التصور، يُدرك ترامب أنَّه ذهب إلى الصين في محاولة لكبح جماح هذا التنين العملاق؛ إذ إنه مدرك تمامًا لحجم الصين وقوتها، وما وصفه للزعيم الصيني بأنَّه "قائد عظيم" إلّا انعكاس لمعرفته اليقينية بمكانة الصين، واعتراف فاضح منه بفشل حرب الرسوم التجارية التي شنها على بكين، والتي أجبرته على القبول بـ"هدنة تجارية" أكدت غياب الحصافة الاقتصادية والسياسية في التَّعامل مع نِدٍ قوي مثل الصين؛ إذ فشل ترامب في الضغط على الصين من أجل تقديم تنازلات في حرب الرسوم الجمركية.

وعلى المستوى السياسي، عكست الزيارة وما تلاها من تصريحات للرئيس ترامب، علو قدم الصين فيما يتعلق بالقضية المركزية في العلاقات بين البلدين، وهي ملف تايوان؛ حيث أدلى ترامب بتصريحات عبّر فيها عن رفضه لانفصال أو استقلال تايوان عن الصين، فضلًا عن التراجع الواضح فيما يتعلق بصفقة الأسلحة الأمريكية التي كان من المزمع إتمامها مع تايبيه.

أما فيما يتعلَّق بالحرب على إيران، فقد عبّر الرئيس الصيني بوضوح شديد عن رفضه لها، مؤكدًا أنها "حرب ما كان ينبغي لها أن تحدث"، وهو تصريح يُؤكد مدى الانتقاد الصيني للولايات المتحدة في عدوانها على إيران. ولذلك توافق الرئيسان الصيني والأمريكي على أهمية إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا أمام الملاحة الدولية، أيضًا في انتقاد للحصار الأمريكي المفروض في المنطقة.

الشاهد من هذه التطورات في العلاقات الصينية الأمريكية، أن الصين برهنت قوتها باعتبارها دولة عظمى تتوازى من حيث القوة والتأثير مع الولايات المتحدة، وأن طبيعة هذه العلاقات والخلافات الحاصلة، تتطلب إدارة فاعلة من الجانبين، وليس بالضرورة حلًا نهائيًا، وهنا نرى أن ترامب المهزوم سياسيًا ظهر كقزم أمام العملاق الصيني، فحربه على إيران مُنيت بالفشل الذريع، ومعركته التجارية مع الصين لم يستطع حسمها، وأذعن إلى قبول الهدنة التجارية، في حين أنَّه يُعاني من إخفاقات استراتيجية متتالية في الداخل الأمريكي، لا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشيوخ الأمريكي، وسط توقعات مُتزايدة بخسارته للأغلبية الجمهورية التي كانت تُؤيده.

ويبقى القول.. إنَّ الصين لم تعد ترى في نفسها قوة صاعدة، وإنما قوة عظمى أكثر ثقةً وثباتًا، تمضي في مسارات استراتيجية بعيدة المدى، تضمن تحقيق التوازن العالمي، في منظومة دولية ثنائية القطبية، وأنَّه لم يعد من الممكن إيقاف الصين عن تنفيذ رؤيتها التنموية لعالم يسوده الوئام والازدهار والتعايش المُشترك، على عكس أمريكا ورئيسها ترامب، الذي يبحث دائمًا عن صفقات سريعة مُتعجِّلة ولقطات مُصوَّرة تخدم نرجسيته والبروباجندا السياسية التي يُفضِّلها، وهو ما فشل فيه فعليًا خلال زيارته للصين، وبرهن على التَّراجع الاستراتيجي للولايات المتحدة كقوة قائدة للعالم.

الأكثر قراءة

z