◄ الشيباني: الموانئ العُمانية تمتلك عناصر تنافسية قوية تشمل الموقع الاستراتيجي والاستقرار السياسي
◄ الحارثي: الاضطرابات البحرية الحالية تتيح فرصًا استثمارية واعدة لعُمان
◄ 38 نشاطًا اقتصاديًا في القطاع اللوجستي.. و605 وظائف مُصنَّفة
الرؤية- ريم الحامدية
شارك عدد من الخبراء والمتخصصين في قضايا الاقتصاد والتنمية، في نقاش اقتصادي موسع، نظمته مجموعة "قيمة" المتخصصة في المحتوى المحلي والقيمة المحلية المضافة بسلطنة عُمان؛ حيث استعرضوا آليات تعزيز المحتوى المحلي في القطاع اللوجستي وسلاسل الإمداد في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها القطاع عالميًا وإقليميًا، وبمشاركة نخبة من الخبراء والمختصين من داخل وخارج المجموعة لرفد الحوار بمرئيات عملية وتطبيقية.
وافتتح النقاش سلطان الخضوري مؤسِّس مجموعة "قيمة"، مؤكدًا الأهمية الاستراتيجية الفائقة للقطاع اللوجستي؛ باعتباره أحد الروافد الأساسية المرتبطة مباشرة بحركة التجارة والصناعة وسلاسل الإمداد الوطنية، مشيرًا إلى أن تنظيم هذا اللقاء يسعى إلى وضع مقترحات واقعية تخدم مستهدفات التنويع الاقتصادي المستدام.
أبعاد تنموية
واستعرض مازن السيابي، المختص في الاقتصاد والسياسات التجارية، الأبعاد التنموية للمحتوى المحلي، موضحًا أن أثره يتجاوز توفير فرص العمل الحالية إلى تنشيط الدورة الاقتصادية الشاملة، ورفع معدلات الإنفاق المحلي، وتحسين التنافسية الكلية للاقتصاد الوطني عبر بناء سلاسل قيمة مترابطة.
وكشف خلفان الخصيبي، عن أرقام ومؤشرات دقيقة توضح حجم القطاع اللوجستي العُماني، الذي يضم 38 نشاطًا لوجستيًا وأكثر من 605 وظائف مصنفة، تنعكس فيها نسبة عمالة وافدة تتجاوز 70% في بعض الأنشطة. ونوَّه الخصيبي بوجود قضايا جوهرية تتطلب الحل العاجل، مثل غياب منصة وطنية موحدة لسلاسل الإمداد، وضعف تنظيم التجارة الإلكترونية، وغياب البيانات الدقيقة حولها، مؤكدًا وجود فرص اقتصادية هائلة وغير مُستغَلَّة، لا سيما في أنشطة التوصيل والخدمات اللوجستية الخفيفة التي يمكن أن تحقق عوائد مالية ممتازة وتوفر فرص عمل نوعية للشباب العُماني في حال تم تنظيمها وحوكمتها بالشكل الصحيح.
وشدد السيابي على أن نجاح هذه السياسات مرهون بطبيعة الهيكلة الاقتصادية للدولة ومراعاة التدرج في التطبيق؛ مستشهدًا بتجارب دولية مثل التجربة الإندونيسية؛ حيث حذر من أن التطبيق الشامل وغير المتدرج لسياسات المحتوى المحلي قد يؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في رفع التكاليف التشغيلية على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، داعيًا إلى الاستفادة من الأطر والدراسات المرجعية العالمية لضمان توازن التطبيق.
تحديات هيكلية
من جانبه، فصّل ناصر الرحبي أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه بيئة الأعمال في هذا القطاع، مجملًا إياها في ضعف خبرة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والمنافسة غير المتكافئة مع الشركات الكبرى، ونقص التأهيل المهني التخصصي، إلى جانب غياب تشريعات واضحة وخاصة بالقيمة المحلية المضافة في الشق اللوجستي.
وطرح الرحبي حزمة من الحلول والممكنات، وفي مقدمتها تقديم حوافز تشجيعية وإعفاءات ضريبية وتخفيضات في الرسوم الحكومية للشركات الكبرى التي تلتزم بتدريب ونقل المعرفة للمؤسسات الناشئة، بالإضافة إلى توفير برامج تمويل مرنة وتوجيه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة نحو الاستثمار في الحلول الذكية، والتحول الرقمي، وأنظمة تتبع الشحن، مع التركيز على مواءمة التعليم المهني والشهادات التخصصية مع المتطلبات الفعلية للسوق.
وفي الجانب الأكاديمي، ناقشت الدكتورة مها البلوشي مدى قدرة الشركات المحلية الناشئة على الصمود في ظل غياب التكامل المؤسسي، مؤكدة على أهمية ربط مخرجات التعليم العالي باحتياجات سوق العمل اللوجستي. وأشارت البلوشية إلى أن الجامعات والكليات بالسلطنة بدأت بالفعل في إدخال تخصصات حديثة وحيوية مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وإدارة المشاريع واللوجستيات، مشددة على أن تطوير هذه البرامج يجب أن يصاغ بشراكة حقيقية ومباشرة بين القطاعين الحكومي والخاص لضمان ردم الفجوة بين المقاعد الدراسية والواقع العملي.
وعلى صعيد التنظيم والرقابة، أكد سعيد السليمي أن توجيه الدعم الحكومي يجب أن يعطي الأولوية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تحقق نسب تعمين أعلى لضمان ممارسات مستدامة، موضحًا أن التحدي الأساسي لا يكمن في غياب القوانين والتشريعات، بل في ضعف الرقابة والتكامل بين الجهات المعنية مما يفتح الباب لبعض التلاعب في الأنشطة التشغيلية، داعيًا إلى تفعيل ربط إلكتروني وتنظيمي صارم بين وزارة العمل، وشرطة عُمان السلطانية، والجهات المشغلة للخدمات لوقف هذه التجاوزات.
توصيات ومخرجات عامة
وقد خلص النقاش إلى صياغة بعض التوصيات والمخرجات العامة ومنها: تحويل سياسات المحتوى المحلي من مؤشرات شكلية في العقود إلى ممارسات تشغيلية فعلية ومستدامة داخل المنشآت، تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال إلزامية "تقسيم العقود والمناقصات الكبرى" إلى حزم أصغر، ونقل المعرفة والخبرة إليها عبر آلية التبني الطويل الأمد، والإسراع في سن تشريعات متخصصة ومنفردة للقيمة المحلية المضافة خاصة بالقطاع اللوجستي وموانئ السلطنة، والإسراع في بناء منصة وطنية موحدة وقاعدة بيانات دقيقة لسلاسل الإمداد لربط الموردين المحليين بالمشغلين لحظيًا، توظيف التحول الرقمي والحلول الذكية كأدوات لخلق فرص استثمارية نوعية ووظائف ماهرة للكوادر الوطنية، تعزيز حوكمة القطاع والتكامل الرقابي بين الجهات الحكومية، والشركات الكبرى، والمؤسسات الأكاديمية لضمان حماية المكتسبات الوطنية الاقتصادية.
وفي تصريحات خاصة لـ"الرؤية" قال علي بن عامر الشيباني رئيس مجلس إدارة شركة أسطول (O Bunkering) وباحث دكتوراه في إدارة الأعمال بالمملكة المتحدة، إن الموانئ العُمانية تمتلك عناصر تنافسية قوية تشمل الموقع الاستراتيجي خارج مضيق هرمز والاستقرار السياسي والأمني والبنية الأساسية المتقدمة والقدرات الاستيعابية والمناطق الاقتصادية والحوض الجاف والبيئة الجاذبة للأعمال وغيرها. وأضاف أن الحكومة متمثلة في وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات قامت بدور محوري في تطوير القطاع اللوجستي والبحري ورفع مستويات التنظيم والحوكمة وتعزيز التكامل بين الموانئ والخدمات البحرية وسلاسل الإمداد بما ينسجم مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" والأولويات الوطنية المرتبطة بالتنويع الاقتصادي وتعظيم القيمة المحلية المضافة. وأوضح أنه مع تزايد التحولات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، تبرُز فرصة استراتيجية للموانئ العُمانية لتوظيف استقرارها ومرونتها التشغيلية كمراكز آمِنة وموثوقة لخطوط الشحن التي تبحث عن خدمات متكاملة وسريعة.
وأوضح الشيباني أن الآليات التجارية والفنية ترتكز على بناء "منظومة بحرية وطنية متكاملة" تربط الموانئ بالمناطق الاقتصادية وسلاسل الإمداد والخدمات البحرية، مشيرًا إلى أن ذلك يتحقق بتحويل التموين البحري إلى أداة جذب تنافسية، والاستثمار في الرقمنة لتقليل زمن التوقف ورفع الكفاءة، إلى جانب تمكين الشركات الوطنية الموثوقة، والاستعداد المُبكِّر لتوفير حلول الوقود المستدام منخفض الانبعاثات لمواكبة التوجهات العالمية.
وأكد الشيباني أن المحتوى المحلي في البحر لا يقل أهمية عن اليابسة؛ لأنه يرتبط مباشرة بحركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد والأمن الاقتصادي وتعظيم القيمة المضافة من الاستثمارات الوطنية في الموانئ والخدمات البحرية. والقيمة المحلية المضافة في القطاع البحري، وتحديدًا في خدمات تزويد السفن بالوقود التي تُعد شريان القطاع اللوجستي، ما زالت بحاجة إلى تعزيز أكبر لرفع مساهمة الشركات الوطنية في هذا القطاع الحيوي، خاصةً في ظل الطبيعة التخصصية والمتطلبات التشغيلية والفنية العالية التي يحتاجها القطاع. وأوضح أن ذلك يؤكد أهمية الاستمرار في تمكين الشركات العُمانية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورفع مساهمتها في هذا القطاع الحيوي، خصوصًا وأن التجارب الدولية أثبتت قدرة هذه الشركات على قيادة الابتكار ورفع كفاءة الخدمات متى ما مُنحت الثقة والتمكين والدعم التنظيمي المناسب.
وأضاف الشيباني أن وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات تؤدي دورًا محوريًا في حوكمة القطاع اللوجستي وتمكين الشركات الوطنية. ويُمثل اندماج شركتي "أسطول" و"مرافي" نموذجًا وطنيًا رائدًا لبناء منظومات وطنية متكاملة ومستدامة، بما يعزز الكفاءة التشغيلية ويرفع تنافسية القطاع البحري واللوجستي، ويسهم في تعظيم القيمة المحلية المضافة من خلال توطين الخبرات وخلق وظائف نوعية تتماشى مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، وتمكين الشركات الوطنية من لعب دور أكبر في سلاسل الإمداد البحرية الإقليمية والعالمية.
وأوضح الشيباني أن النظرة العميقة لسياسات المحتوى المحلي يجب ألا تحصره في كونه مجرد "اشتراط تنظيمي"؛ بل باعتباره "رافعة استراتيجية" لبناء قطاع لوجستي وبحري أكثر استدامة وكفاءة. وقال إنه لضمان أن تنعكس عوائد الاستثمارات الحكومية الضخمة في الموانئ والبنية الأساسية بشكل حقيقي على الاقتصاد الوطني، يجب أن تبقى القيمة الاقتصادية داخل الدورة المحلية من خلال تمكين الشركات الوطنية وإشراكها الفعلي في سلاسل التوريد والخدمات التشغيلية، بدلًا من تسرب جزء كبير من العوائد والخبرات إلى الخارج عبر المشغلين الأجانب.
وتابع القول: "من واقع تجربتنا الميدانية، أثبتت الشركات العُمانية قدرتها على تقديم خدمات عالية الكفاءة والجودة وبأسعار تنافسية، متى ما مُنحت الثقة والفرص التشغيلية العادلة". وأضاف أنه خلال فترة وجيزة تستطيع هذه الشركات بناء قدرات تشغيلية مستدامة، مع ضمان بقاء القيمة المحلية المضافة داخل الاقتصاد الوطني عبر توظيف الكوادر العُمانية ونقل المعرفة وتأهيل وتطوير الخبرات الوطنية وتعزيز استدامة القطاع على المدى الطويل. وشدد على أهمية الدور المحوري للجهات التنظيمية والتشريعية في سَنِّ أُطر تنظيمية واضحة تضمن دمج المؤسسات الوطنية في سلاسل الإمداد، وربط الحوافز الاستثمارية بمدى مساهمة الشركات الكبرى في نقل المعرفة وتطوير الكفاءات الوطنية. وبيّن أن هذا النهج كفيل بتحويل البنية الأساسية من مجرد أصول تشغيلية إلى محركات حقيقية لإنتاج القيمة؛ بما يحقق التوازن بين الكفاءة التشغيلية للمشاريع الكبرى وتعظيم القيمة المحلية المضافة ويعزز مستهدفات رؤية عُمان 2040 والتنويع الاقتصادي المستدام.
منظومة متكاملة
وفي سياق متصل، أكد عبدالله الحارثي، قائد فريق الحوكمة وإدارة المخاطر والالتزام بميناء صحار والمنطقة الحرة لـ "الرؤية"، أن مفهوم اللوجستيات الحديث لم يقتصر على النقل والموانئ، بل تحول إلى منظومة اقتصادية متكاملة تتداخل مع التجارة، والصناعة، والتقنية، والاستدامة. وأشار الحارثي إلى أن سلطنة عُمان تقف اليوم أمام فرصة استراتيجية حقيقية لتكون مركزًا لوجستيًا إقليميًا يقتنص الفرص الناتجة عن الأزمات الجيوسياسية الراهنة في منطقة مضيق هرمز.
وعلى صعيد التشغيل والكوادر الوطنية، شدد الحارثي على أن نجاح سياسات القيمة المحلية المضافة مرهون بوجود قناعة وتوجه حقيقي من الإدارة العليا للمؤسسات الكبرى، بحيث يمتد دعم التوطين لكافة أقسام المؤسسة من التخطيط إلى التنفيذ ولا يظل حبيسًا في قسم المحتوى المحلي ورغم حسم هذا القطاع وحساسيته العالية التي تدفع الشركات الكبرى أحيانًا لتفضيل إدارة عملياتها داخليًا تجنبًا لمخاطر الجودة، إلا أن الحارثي يرى أن البديل ليس إلغاء التعهيد، وإنما تبني سياسة "التأهيل والتمكين التدريجي" عبر إشراك الكوادر والشركات المحلية في الأعمال الأقل حساسية كخطوة أولى لنقل الخبرة والمعرفة إليها.
أما فيما يخص سلع وخدمات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، أوضح الحارثي أن سلسلة الإمداد التي تشمل النقل، والتخزين، والتخليص الجمركي، والتوزيع، والصيانة تزخر بفرص هائلة لتمكين الشركات الناشئة، شريطة أن تتخلى الشركات الكبرى عن رغبتها في احتكار تنفيذ جميع هذه الخدمات بمفردها؛ نظرًا لأن هذه المنشآت الصغيرة لا يمكنها البقاء دون هذا التكامل. وأضاف الحارثي أن الحل المستدام لتجاوز عقبة الدعم المؤقت بجانب السياسات الحالية كإسناد نسبة 10% من المناقصات للمؤسسات الصغيرة يكمن في قيام الشركات القيادية بـ تبني مؤسسات ناشئة بعينها لفترات طويلة نسبيًا تضمن جاهزيتها واستقرارها، معتبرًا أن تمكين شركة واحدة لتكبر وتنافس وتوظف، يملك أثرًا اقتصاديًا أعمق بكثير من توزيع دعم مشتت وغير مستدام.
وفي محور الاستثمار واقتناص الفرص الجيوسياسية، بيّن الحارثي أن الاضطرابات البحرية الحالية ولّدت ثغرات استثمارية ذهبية؛ حيث تحولت السفن وخطوط الشحن العالمية إلى الموانئ العُمانية كميناء صحار لتفريغ شحناتها بسرعة والخروج من مناطق الخطر، بالتزامن مع بروز فرص واعدة في مشروع ربط المسارات اللوجستية البرية الحالية لنقل الحاويات من عُمان إلى دول الخليج.
وحذر الحارثي من أن أي نقص في حلقة من هذه السلسلة كخدمات التخليص أو توفر الشاحنات قد يقطع السلسلة اللوجستية بالكامل ويفقدنا هذه الميزة التنافسية؛ الأمر الذي يتطلب تحركًا سريعًا من الشركات المحلية والناشئة لاستغلال هذه الطفرة وتوفير الخدمات الفورية بكفاءة عالية، لتحويل هذا البديل الاضطراري المؤقت إلى حل استثماري دائم وعقود مستدامة تضمن بقاء رؤوس الأموال داخل الاقتصاد الوطني.
