خلفان الطوقي
التنظيم والتقنين والإدارة الحصيفة وحوكمة المواضيع وغيرها من مصطلحات سوف يزداد سماعها في الأيام المقبلة، وبالرغم من أنَّ البعض يعتبرها مُزعِجة، والبعض الآخر يراها مُقيِّدة وتزيد من التعقيدات، وكثير من الأفراد يقاومها أو يدعون إلى مقاومتها بكل ما أوتوا من قوة، إلّا أن البعض الآخر يتفهم التغيير، ويتأقلم معه، ويعلم أن التقنين لم يُطبَّق إلّا بسبب مُبرِّرات يراها المُشرِّع، وفق رؤيته من زوايا عديدة ونوعية، مُتاحة له، وليست مُتاحة لنا كجمهور.
هذه المقدمة هي لمثالٍ سوف يتم عرضه في هذه المقالة، ولكنه يمكن أن يُطبَّق في قوانين وتشريعات وإجراءات تمَّ تطبيقها في كثير من المجالات، والمثال الذي أعرضه هنا هو عن التبرعات المالية والعينية التي تُجمَع من مصادر مختلفة، وبعضها يتم إرسالها إلى خارج عُمان.
في السابق، كانت التبرعات المالية إلى خارج عُمان غير مُقنَّنة بما فيه الكفاية، أو بمعنى أصح وأدق مغضوض الطرف عنها، والآن أصبح الموضوع مُقنَّنًا قدر الإمكان؛ حيث إن الجهة المسموح لها بإرسال التبرعات هي جهة واحدة -حسب علمي- وهي الهيئة العُمانية للأعمال الخيرية، وهذه الهيئة تقوم بأعمال خيرية وتطوعية عديدة ومنوَّعة، ومن ضمن مهامهم التبرع للأزمات والمحن والكوارث الطبيعية خارج عُمان، فهذه بمثابة قوة ناعمة عُمانية في المحافل الدولية، مُرخَّصة وقانونية وتُشرف عليها الدولة بشكل يومي لصيق.
ورغم الجهود الحثيثة من كلٍ من وزارة التنمية الاجتماعية ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية ووزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار والادعاء العام والهيئة العُمانية للأعمال الخيرية بالتوعية بالتنظيمات الجديدة والممارسات الصحيحة في التبرعات داخل وخارج السلطنة، إلّا أنَّ هناك من يُحاول التشويش على هذه الجهود لأسباب عديدة، مثل أن هذا التقنين يُضيِّع عليهم فرص التبرع لهم كما كان سابقًا، علمًا بأن مثل هذه الجمعيات والفرق والمواقع الإلكترونية وهمية وغير حقيقية، وتستغل البسطاء من الناس، وتتفنن في اللعب على مشاعرهم، وتستخدم الدين في تسويق دجلهم وممارساتهم الاستغلالية، والدين منهم براء.
رسالتي لأفراد المجتمع تكمن في أنَّ التبرعات المالية والصدقات والزكاوات يجب أن تكون داخل عُمان، فكل ريال يصرف هنا، سوف يخدم اقتصاد عُمان بشكل أو آخر، أضف إلى ذلك، أنه سوف يخدم أسرة محتاجة في أي من الـ63 ولاية من الولايات المنتشرة في أنحاء الوطن، أضف إلى هذا وذاك الآثار الأمنية والسياسية غير الملموسة.
وعليه، نقول إن خيرنا يجب أن يظل هنا في عُمان "مِنَّا وفينا"، والأولى والأجدى أن يكون التبرع من خلال المنصة الوطنية "جُود" التي سهَّلت علينا الكثير، وأصبحت تمنح لكل من أراد عمل الخير خيار التبرع لمئات الجمعيات والفرق الخيرية ولجان الزكاة القانونية والمرخصة رسميًا والمعترف بها من وزارة التنمية الاجتماعية، ولعشرات المبادرات التي يختارها المُتبرِّع بنفسه، وتناسب أولوياته الصحية والتعليمية والإسكانية، أو أي وجه من أوجه الخير، ومن أراد التبرع لخارج عُمان؛ فالهيئة العُمانية للأعمال الخيرية تُرحب به، وسوف توصل هذه التبرعات لمن يستحقها من خارج عُمان.
رسالتي للجهات المختصة أن تُكمِل مشوارها التطويري والتنظيمي، فلا يمكن لبلدنا أن تتطور وتتقدم إلّا بالتنظيم وتطبيق الحوكمة في كل مجالات الحياة، بالرغم من مقاومة البعض، غير أن رحلة التقدم والتطور والاستدامة هي رحلة طويلة تتطلب جهودا مستمرة وحلولًا ابتكارية مُقنعة، ولن نجد بلدًا يتقدم بالعشوائية والفوضى والتخبُّط، وإذا أردنا لعُماننا ما نتمناه، فعلينا أن نستوعب الآثار الإيجابية، وأهمية تطبيق الحوكمة وتقنين ما يلزم في كل مناحي الحياة.
