حسين اللواتي **
"آسف" و"شكرًا"، قد تبدوان كلمتين عاديتين، تُقالان بسرعة، أو تُهملان أحيانًا تحت ضغط العمل. لكن في سياق نظريتي القيادة العلائقية والتشاركية هما ليستا مجرد مجاملات لغوية، بل أدوات قيادية عميقة تُعيد تشكيل العلاقات، وتبني الثقة، وتفتح مساحات للحوار.
ماذا لو بدأنا ننظر إليهما كجزء من ممارسة القيادة اليومية؟
في بيئات العمل، كثيرًا ما تُدار العلاقات عبر التوجيهات، والاجتماعات، والتقارير. لكن ماذا عن المشاعر غير المُعلنة؟ عن التقدير غير المُعبّر عنه؟ عن الأخطاء التي تمر دون اعتراف؟
هنا يأتي دور “آسف” و“شكرًا”.
“آسف” ليست ضعفًا؛ بل شجاعة. هي اعتراف بالمسؤولية، وإشارة احترام، وبداية تصحيح.
أما “شكرًا”، فهي ليست مجرد لباقة؛ بل تقدير يُعزز السلوك الإيجابي، ويُؤكد أن الجهد مرئي ومُقدّر.
وفي عمق هذه المعاني، تتجلى قيمة إنسانية أصيلة عبّرت عنها الآية الكريمة حيث يقول عزوجل في محكم كتابه الكريم ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
“آسف” هي صورة من صور التواصي بالحق والاعتراف بالخطأ بشفافية ومسؤولية. و“شكرًا” هي امتداد للتواصي بالصبر وتقدير للجهد، واحترام للمحاولات، وتعزيز للاستمرار والعطاء.
وفي المناخ المؤسسي، لا تُبنى الثقة فقط عبر الأنظمة؛ بل عبر هذه المعاني الإنسانية الصغيرة في حجمها، الكبيرة في أثرها. ففي عالم الأعمال، هذه المعاني ليست نظرية فقط.
وتشير نتائج التحليل الشامل الذي أجرها معهد "جالوب" وشمل أكثر من 456 دراسة و2.7 مليون موظف حول العالم إلى أن فرق العمل ذات الارتباط الوظيفي المرتفع تحقق نتائج استثنائية مقارنة بغيرها.
وأظهرت الدراسات أنَّ الفرق الأكثر تفاعلًا وارتباطًا تحقق: ربحية أعلى بنسبة 23%، وإنتاجية ومبيعات أعلى بنسبة 18%، وانخفاضًا في معدل دوران الموظفين بنسبة تصل إلى 43% وتراجعًا في الغياب الوظيفي بنسبة 81%، إضافة إلى ارتفاع ولاء العملاء وتفاعلهم بنسبة 10%.
هذه الأرقام لا تتحدث فقط عن الأداء؛ بل عن جودة العلاقة داخل بيئة العمل.
وكأن الرسالة تقول لك أيها المسؤول وأيها الزميل في العمل إنه كلما تحسنت العلاقة بين الموظفين والفريق، تحسنت النتائج.
ولهذا قال الخبير العالمي في القيادة Simon Sinek: "القيادة ليست أن تكون مسؤولًا عن الناس، بل أن تكون مسؤولًا تجاه الناس".
وتعزيز ثقافة التقدير والتغذية الراجعة المفتوحة، قد يُسهم في رفع الرضا الوظيفي وتحسين التعاون بين الفرق وهو ما انعكس على الأداء والابتكار في مؤسسة جوجل.
ماذا يعني ذلك عمليًا؟
يعني أن كلمة “شكرًا” قد ترفع من دافعية موظف أكثر من مكافأة مؤجلة. وأن كلمة “آسف” من قائد قد تعيد بناء ثقة فريق بأكمله.
ولأن هذه الكلمات تولد ما يمكن تسميته بـ “الحوار الأريحي” وهو حوار قائم على الشفافية، والاحترام، والإنسانية. حوار لا يخشى الاعتراف، ولا يبخل بالتقدير. إذن ماذا لو أصبح هذا الحوار هو القاعدة، لا الاستثناء؟
ماذا لو شعر الموظف أن صوته مسموع، وأن جهده مُقدّر، وأن الخطأ ليس نهاية؛ بل فرصة للتعلم؟
في هذه البيئة، لا يعمل الناس فقط بل يبدعون.
وهنا يتجلى جوهر القيادة العلائقية: أن العلاقات هي التي تقود النتائج.
ماذا لو جربت القيادات والمسؤولون في دوائرهم وأقسامهم هذا التحول البسيط؟ ليس عبر مبادرات كبيرة؛ بل عبر ممارسات يومية دقيقة: أن يقول القائد “آسف” عندما يخطئ بصدق، دون تبرير، وأن يقول “شكرًا” عندما يُنجز العمل بوضوح، دون تأجيل.
ثم، ماذا لو تم قياس الأثر؟ هل تحسّن التواصل؟ هل زادت المبادرة؟ هل ارتفع مستوى الثقة؟ هل أصبحت بيئة العمل أكثر تعاونًا؟
التغيير هنا لا يحتاج إلى ميزانيات ضخمة؛ بل إلى وعي.. وعي بأن القيادة لا تُمارس فقط عبر القرارات، بل عبر الكلمات، وأن أبسط الكلمات، قد تكون الأكثر تأثيرًا.
من هنا، ماذا لو استخدمنا “آسف” و“شكرًا” بوعي أكبر في القطاعين العام والخاص؟ ماذا لو أصبحتا جزءًا من ثقافة العمل، لا مجرد ردود فعل عابرة؟
قد نكتشف حينها أن بيئات العمل لا تتحسن فقط بالإجراءات، بل بالعلاقات، وأن الأداء لا يرتفع فقط بالأنظمة، بل بالإنسانية.
وفي نهاية المطاف ماذا لو كانت البداية… كلمة؟
** عضو مجلس الشورى
