الطفل والتساؤل الفلسفي

 

 

 

محمد بن رضا اللواتي

mohammed@alroya.net

في وسط الأجواء التي ترى أنَّ التفكير الفلسفي لا يُلائم ذهن الطفل، إذا بالفيلسوف والتربوي الأمريكي ماثيو ليبمان (ت: 2010م)، يقتحم تلك الأجواء ويدعو مُعدي المناهج التربوية للتفكير في كيفية جعل ذهن الطفل يتواصل مع الفلسفة، وذلك عبر روايته "اكتشاف هاري ستوتلماير".

في هذه الرواية، يكتشف الصبي هاري أن بعضًا مما يتعلمه في المدرسة لا يتوافق مع المنطق، وينتهي الأمر به في رحلته إلى اكتشاف قواعد المنطق والتفكير الصحيح، وفعلاً ومنذ ذلك اليوم بدأت جامعة "مونت كلير" تنفذ برامج "الفلسفة للأطفال" في مجموعة من المدارس في الولايات المتحدة وبعض بلدان العالم.

ولكن لماذا الطفل تحديدا؟ هذا أولًا. وهل هناك فلسفة "قاصرة" تلبي احتياجات الطفل من المعرفة كما تساءل مصطفى بلحمر يومًا ضمن مداخلته في ندوة حول الطفل والفلسفة التي عقدتها أكاديمية طنجة للتنمية والتكوين؟ هذا ثانيًا. (تدريس الأطفال الفلسفة: زينة محمد ناصر الدين: مجلة المحجة العدد 29).

فيما يتعلق بالتساؤل الأول المار، يجيب جماعة من المُحققين، أن الطفل تحديدًا، هو الأكثر طرحًا للتساؤلات، أكثر بكثير من الكبير.

"لماذا" تكاد أن تختفي في أذهان الكبار، وتعمل الحياة العصرية على إطفاء جذوة التساؤل عن السببية بشكل لافت مع شدة التركيز على "كيف"!

المهم هو: كيف أستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي...؟

ولكن لماذا ينبغي أن يفكر الذكاء الاصطناعي بدلا عني؟ فقلما يسأل أحد!

الفيلسوف كارل ياسبرز كان يقول بأنَّ الطفل لكثرة ما يمارس "لماذا" يجعل الموضوع فلسفيًا بامتياز!

وبحسب شارل بروكر فإن كُتُبنا عن الأطفال قد كذبت! فثمة بون شاسع بين واقع الطفل وبين الدراسات التي أنجزت عنه والكتب التي أُلفت عنه. (المقال السابق: مجلة المحجة: العدد 29).

باختصار فعند هؤلاء المفكرين: "لماذا" لدى الطفل تدل على توهج التفكير الفلسفي فيه.

إنَّ حسَّ الدهشة فيه عالٍ، وهذا إحساس مركزي في الفلسفة، فالصغير فيلسوف بطبعه، بخلاف الكبير الذي يتعين عليه أن يكتشف فيه بقايا هذه الدهشة، فيعود طفلا مجددا ولو مؤقتاً كما يقول روبرت مولفايتي! (الأطفال والاشتغال الفلسفي: كارين موريس: ترجمة: فاطمة زراقط: المصدر السابق).

وفيما يتعلق بالتساؤل الآخر المار، فالمقصود من تعليم الطفل التفلسف هو: "بناء القدرة فيه للتفكير مستقلا حول "لماذا" التي يواجه بها الأحداث دائما".

ما المانع من أن يقوم الطفل، ولوحده، بالتفكير المنطقي ويبني الاستدلال الذي من خلاله يمكنه أن يتلمس الطريق إلى الإجابات؟

إن مجموعة من المناهج التربوية اليوم تسعى لجعل الطفل "كبيرًا" على هيئة "صغير"! يضبط إيقاع الإتيكيت، ويجيد فن التواصل، ويُظهر الأدب في الحديث، ويكون لبقاً مع الغير، أليست هذه صفات الكبير؟

أما المناهج التي تعلمه فن "ميتا تفكير"- التفكير في التفكير- وبشكل مستقل عن الكُبار فلا أثر لها!

الكبير ما أسهل عليه أن يسحب كُرسيًا من مكانه ويضعه في مكان آخر، ولكن من الصعب عليه أن يُحرك فكرة من مكانها في ذهنه، فيلغيها تمامًا ويضع مكانها واحدة أخرى!

اقترح الشيخ الرئيس ابن سينا أن نضع كل فكرة تمُر على أذهاننا، في "بُقعة الإمكان"، إلى أن نعثر على برهان دامغ يُزيحها أو يثبتها، فهل نستطيع القيام بذلك حقًا؟

الطفل يمكنه ذلك بمهارةٍ قد تفوق العديد من الراشدين. تعليم الطفل مهارات التفكير المنطقي وطريقة صناعة الاستدلال والبُرهان مُمكنة جدًا ومتاحة، لكن مناهج التلقي وتحويل الطفل إلى كبير فحسب لن تساعد على ذلك.

حصيلة ما مرّ.. عندما يتعلم الطفل كيف يُفكر لوحده، ويتلمس المعيار المنطقي في اختيار الإجابات، تكون مناهج التعليم قد رفدت "مجتمعًا بحثيًا صغيرًا لا يتصدى للكيف فقط، وإنما يُلاحق الأسباب أيضًا" ذلك لأنَّ تلك المناهج قد ألهبت فيه "لماذا" ومنحته المعيار الذي يقيس على ضوئه دقة الإجابة، وهذا المُجتمع البحثي الصغير الذي يُتقن مهارات التعليل Reasoning Skills، سيكون له، بلا شك، صدى كبير في قادم الأيام.

الأكثر قراءة

z