دور الوسيط في النظامين الإداري والقضائي العُماني

 

 

 

 

د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي **

تتباين تعريفات ومهام واختصاصات كل من الوساطة وغيرها من المُسميات والوظائف المتماثلة كالتوفيق، والمصالحة، والتحكيم؛ حيث تُعد الوساطة وسيلة للبحث عن حل، بينما التوفيق هو اقتراح حل، والمصالحة هي إنهاء للنزاع بتسوية نهائية. في حين تهدف الوساطة إلى تقريب وجهات النظر، ولا تملك سلطة فرض حل. في حين يصدر المحكم في التحكيم حكماً بناءً على الأدلة والقانون، ويتم تنفيذ حكمه في 142 دولة، إضافة إلى أنَّ الوساطة تمتاز بالسرية العالية بين المتخاصمين مقارنة بالأنظمة الأخرى شبه القضائية.

وغنيٌ عن البيان أنَّ للوسيط دور كبير في تقريب وجهات النظر بين المتخاصمين، ومن ثم حلحلة النزاعات القائمة، على نحو يؤدي إلى المحافظة على الطبيعة العلائقية بين الأطراف محل النزاع، لا سيما في النزاعات الأسرية والمالية، ففي الأولى – النزاعات الأسرية – تؤدي الوساطة إلى وأد النزاعات بين الزوجين في مهدها قبل اتساع رقعتها، ومن ثم احتواء أسباب الخلاف وإعادة العلاقة الزوجية إلى طبيعتها دون الحاجة إلى اللجوء إلى الجهات القضائية مما يتسبب في غير قليل من الحالات إلى انفصال العلاقة الزوجية وما يترتب عليه من آثار اقتصادية واجتماعية على الأسرة والمجتمع. في حين تؤدي الوساطة في الثانية- النزاعات المالية- إلى المحافظة على العلاقة الاقتصادية بين المتخاصمين، مما مؤداه المحافظة على سرية المعلومات المالية بين الأطراف محل النزاع، وكذا تسوية النزاعات دون الحاجة إلى إضاعة فترات طويلة في ردهات المحاكم، حيث إنَّ العلاقة المالية تتطلب في كثير من الحالات سرعة الإنجاز من أجل المُحافظة على الدورة الاقتصادية للتجار وأصحاب الأموال.

وبالرغم من مضي أكثر من 20 عامًا على إصدار قانون التوفيق والمصالحة بموجب المرسوم السلطاني رقم (98/2005)، وما أظهرته النتائج الإيجابية في الكثير من النزاعات المعروضة على مختلف لجان التوفيق والمصالحة في مختلف الولايات، إلّا أنَّ متغيرات الحداثة والعولمة انعكست على العديد من المتغيرات التي طالت مختلف مناحي الحياة، مما يستوجب مواكبة تلك المتغيرات سواء أكانت من حيث التأطير النظري للقائمين على تلك اللجان أو من خلال إجراء تعديل تشريعي يطال تلك التقسيمات الإدارية.

ولا جرم أنَّ الوساطة تختلف من حيث المهام والاختصاصات وكذا الطبيعة القانونية والإجرائية في التعامل مع مختلف النزاعات عن نظيراتها كالتوفيق والمصالحة والتحكيم، وهي إن صح التعبير تقوم بدور أكثر فاعلية في تقريب وجهات النظر وحلحلة النزاعات والسعي إلى تسويتها دون الحاجة إلى الوصول بها إلى منصات القضاء، مما يوفر على تلك الجهات القضائية الجهد والوقت في النظر في تلك النزاعات، فضلاً عن ما قد تؤول إليه الأحكام القضائية من ضرر في البنية الاجتماعية والاقتصادية للأطراف محل النزاعات، وينعكس سلبًا في الوقت ذاته على النسيج الاجتماعي للمجتمع وبنيته الاقتصادية.

وصفوة القول إنَّ المجتمع العُماني أضحى بحاجة ماسة إلى تطوير منظومة التوفيق والمصالحة من خلال إجراء العديد من الإجراءات التشريعية والإجرائية في النظام الإداري العُماني، ولعل أبرزها:

-      إنشاء نظام وطني خاص بالوساطة يتمتع بالاستقلال المالي والإداري.

-      إنشاء سجل وطني خاص بمن يمارس مهنة الوساطة وفق العديد من الضوابط والاشتراطات داخل النظام الإداري الوارد في البند السابق.

-      قيام الجهات القضائية أو لجان التوفيق والمصالحة بالاستعانة بالوسيط في النزاعات المعروضة أمام كل منها.

-      التأهيل النظري والعملي للوسيط عبر خلق مجموعة من البرامج التدريبية لصقل مهاراتهم واكسابهم المعرفة والعلم القانوني والإداري بالمهام والاختصاصات المناطة بهم.

-      تفعيل الدور الإعلامي من خلال استضافة الخبراء والمتخصصين بدور الوسيط، ومن ثم توعية المجتمع المحلي بأهمية الاستعانة بهم قبل اللجوء إلى الجهات القضائية.

-      إشراك المتخصصين في هذا المجال- الوساطة- في العديد من الاجتماعات والأنشطة والفعاليات التي تقيمها وحدات الجهاز الإداري للدولة ذات الصلة مثل: وزارة التنمية الاجتماعية، وزارة التجارة والصناعة، وزارة الداخلية، بغية الاستئناس بآرائهم في الممارسة العملية وفق الاختصاصات المناطة بتلك الجهات.

-      تمثيل الدولة- عبر هذه الجهة المختصة- في مختلف المؤتمرات والمحافل الدولية ذات الاختصاص بالوساطة والتوفيق والمصالحة.

** دكتوراه في القانون الدستوري والعلوم السياسية

** رئيس مركز البحوث والدراسات الجامعية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z