سلطان بن ناصر القاسمي
أخطر ما تفعله بعض "الترندات" أنها لا تدخل البيوت بصوتٍ مرتفع، بل تتسلل إليها بهدوءٍ شديد، حتى يعتادها الناس وكأنها جزء طبيعي من حياتهم. ومع الوقت، تتغير أشياء كثيرة دون أن نشعر؛ طريقة الحديث، شكل العلاقات، مفهوم الخصوصية، وحتى القيم التي كنَّا نظن أنها ثابتة لا تتبدل. وحين أقف متأملًا هذا المشهد، أجد نفسي أتساءل: هل أصبحت بعض الموضة والترندات تُربّي أبناءنا وتوجّه بيوتنا أكثر منا؟
لقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي اليوم أشبه بضيفٍ دائم في كل بيت، تحضر معنا في الصباح، وترافقنا في المساء، وتؤثر في قراراتنا وتفاصيل حياتنا أكثر مما نتخيل. المشكلة ليست في وجود هذه الوسائل بحد ذاتها، فهي أدوات يمكن أن تُستخدم للخير والمعرفة والتقارب، لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين نفقد القدرة على التمييز بين ما يناسبنا وما يُفرض علينا تحت اسم "المواكبة" و"التطور".
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن بعض الناس لم يعودوا يكتفون بعرض جوانب بسيطة من حياتهم، بل أصبح هناك سباقٌ محموم نحو الظهور، حتى لو كان ذلك على حساب خصوصية البيت أو براءة الأطفال أو قيمة العلاقات الأسرية. فأصبحنا نشاهد أطفالًا يُدفعون للدخول في ترندات لا يفهمون معناها، وعائلاتٍ تُحوّل لحظاتها الخاصة إلى محتوى يومي يُعرض أمام الناس، وكأن قيمة اللحظة لا تكتمل إلا بعدد المشاهدات والتعليقات.
بل إن بعض التصرفات الجميلة فقدت شيئًا من معناها حين تحولت إلى مشاهد معدّة للتصوير. والبر بالوالدين، والاهتمام بالعائلة، والمواقف الإنسانية الراقية، كلها قيم عظيمة حين تكون نابعة من القلب، لكنها أحيانًا تفقد جزءًا من صدقها عندما تتحول إلى مادةٍ للعرض وكسب التفاعل. لأنَّ بعض المشاعر خُلقت لتُعاش بصدق، لا لتُستهلك أمام الكاميرات.
ولم تعد الموضة مجرد اختيار في اللباس أو المظهر الخارجي، بل أصبحت أسلوب حياة يتدخل في تفاصيل كثيرة؛ في شكل البيوت، وطريقة الحديث، والعلاقات، وحتى في طريقة التفكير. وأصبح البعض يغيّر قناعاته وسلوكه فقط حتى لا يبدو مختلفًا عن الآخرين، وكأن القبول الاجتماعي بات أهم من القناعة الشخصية.
أما الترندات، فهي أشد تأثيرًا من الموضة، لأنها تقوم على الانتشار السريع والتكرار المستمر، حتى يشعر الإنسان أن عليه أن يقلد ما يراه حتى لا يكون خارج المشهد. ومع هذا التدفق الهائل للمحتوى، يتحول البعض تدريجيًا من أشخاص يملكون قراراتهم إلى متلقين ينتظرون ما يمليه عليهم العالم الرقمي كل يوم.
ومع مرور الوقت، تبدأ آثار هذا الانجراف بالظهور داخل البيوت بصورة واضحة، فتتغير المعايير بهدوء. تُقاس السعادة بعدد المتابعين، ويُقاس النجاح بمدى الشهرة، وتُستبدل البساطة بالتكلف، والخصوصية بالاستعراض، والحياء أحيانًا بجرأةٍ لا تشبه قيم مجتمعاتنا. وقد يصل الأمر إلى تجاوزات تمس الدين أو تتنافى مع العادات والأعراف، لكن يتم تبريرها تحت عناوين براقة مثل الحرية أو مواكبة التطور.
ومع ذلك، فإن الحديث عن هذه الظواهر لا يعني رفض كل جديد أو الدعوة إلى الانغلاق، فالحياة تتغير، والمجتمعات تتطور، والإنسان بطبيعته يتأثر بما حوله. لكن الفارق الكبير يكمن بين الوعي والانجراف، بين أن نختار ما يناسبنا بعقولنا وقيمنا، أو أن نذوب في كل ما يُعرض علينا دون تفكير.
نحن بحاجة اليوم إلى وعيٍ أكبر داخل البيوت، وإلى رقابةٍ تربوية هادئة لا تقوم على المنع فقط، بل على الحوار والتوجيه وغرس القيم. فالأبناء لا يحتاجون دائمًا إلى من يمنعهم بقدر حاجتهم إلى من يشرح لهم، ويمنحهم القدرة على التمييز بين ما ينفعهم وما يستهلكهم. كما أن الأسرة بحاجة إلى أن تستعيد بعض المساحات التي سرقتها الشاشات؛ جلسات الحديث، والاهتمام الحقيقي، والخصوصية التي كانت تمنح البيوت دفئها وطمأنينتها.
إن البيوت ليست ساحات عرضٍ للموضة، ولا مسارح لتجربة كل ترند عابر، بل هي المكان الذي تتشكل فيه شخصية الإنسان، وتُبنى فيه القيم الأولى، وإذا لم نحسن حماية هذه البيوت بالوعي والاعتدال، فإننا قد نفقد مع الوقت أشياء كثيرة كنا نظن أنها ثابتة لا تتغير.
ويبقى السؤال قائمًا: هل أفسدت الموضة والترندات بيوتنا؟
ربما لا تكون الإجابة نعم مطلقة، ولا لا مطلقة، لأن الأمر مرهون بوعينا نحن. فحين نحسن الاختيار، تبقى الموضة مجرد ذوق، ويبقى الترند مجرد فكرة عابرة، أما حين نفقد البوصلة، فإننا لا نواكب العصر، بل نذوب فيه، وحينها لا نخسر مجرد عاداتٍ وتفاصيل، بل نخسر شيئًا من ملامحنا التي كنا نعرف بها أنفسنا.
