أنيسة الهوتية
عندما استعيدُ ذكريات عام 2015 في حارة "بالات" بمدينة إسطنبول القديمة، في شارع اسمه "يلدريم"، جلسنا في أحد المقاهي، وطلبنا بقلاوة وقهوة تركية، وجاءت طفلة ومعها محارم، فطردها صاحب المقهى، لكنها وقفت تُطالعنا من بعيد.
وعندما انتهينا، أخذت تمضي خلفي، ومشيت لمسافة وهي تحاول إقناعي بشراء المحارم، ثم بدأت تتكلم بلغة عربية، فتفاجأت! وقالت لي: إحنا من سوريا إيجينا هون من كم شهر... ثم أخبرتني أنها جوعانة وتُريدني أن أشتري المحارم لكي تتمكن من شراء وجبة طعام.
أخبرتها أن تأتي معنا لمطعم نتناول فيه الغداء سويًا، فرفضت وقالت إنها تجمع النقود وتُعطيها لأهلها لشراء طعام لكل أفراد الأسرة.
علمتُ بعد ذلك أنَّ اسمها "جود"، ومعها إخوتها: ليان وبيان وهما توأم، وشقراء صغيرة واسمها شام، هذا إلى جانب آدم وكريم والصغير إبراهيم الذي كان مُمسكًا بيدي طول الوقت ملتصقًا بي.
ذهبنا لتناول الغداء، وكان كفتة وكباب، ثم أكلنا بوظة، واشتريت لهم ملابس جديدة وأحذية، وحرصنا على إسعادهم، ثم التقطنا صورًا مُتعددة في ذلك الشارع. لقد كانوا سعداء للغاية بهذه الملابس التي لطالما تمنوا يومًا أن تكون لديهم، فهُم كل يوم يشاهدون ملابس سكان هذا الشارع منشورة في الشرفات المنتشرة في الأبنية على الجانبين.
ومن بين كل الصور التي التقطناها، اخترتُ قبل أيام أفضل صورة ونشرتها عبر حسابي على "انستجرام" بعد تحسينها بالذكاء الاصطناعي؛ صورة لا أحد فيها مغمض العينين، ولا واقف بطريقة خاطئة.. صورة نموذجية!
وفي خضم الحديث، حين قلت لهم: إن شاء الله تنتهي الحرب وتعودون إلى سوريا قريبًا.
ردّ إبراهيم الصغير: ما بروح سوريا، بجي لعندك بتجوَّزِك.
ضحكتُ، وقلتُ له: لحدما أنت تكبر أنا كمان بكبر!
قال: لاااا، ما بتكبري راح ضلك هيك صغيرة وحلوة.
وربما كانت دعوة صادقة مُستجابة من إبراهيم، استمرت معي إلى اليوم ولله الحمد والمِنّة.
تذكرتهم ودعوت الله أن يكونوا بخير.
الطريف أنَّ هذه كانت أول قصة حُب في حياة الطفل إبراهيم… لكن هل سيتذكرها؟ هل سيتذكرني؟
شخصيًا، لم أكن أُفضِّل نشر الصور التذكارية في حساباتي على وسائل التواصل الاجتماعي، باستثناء الإنجازات العملية والمهنية، وقليل جدًا من الذكريات العائلية. لكنني في الفترة الأخيرة بدأتُ أحتفظُ بما هو غالٍ على قلبي، وما له أثر عميق… مثل هذا الموقف الذي لن أنساه، رغم أنني أعتقد أنَّ إبراهيم قد كبر ونسي حبه الأول.
وبالرغم من إدخال الذكاء الاصطناعي لتحسين الصورة، إلّا أنني أدركتُ أن الصور، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع أن تحفظ كل شيء؛ فهي لا تنقل دفء اليد الصغيرة التي تمسَّكت بي، ولا تلك النظرة المليئة بالثقة التي منحتني إياها جُود دون ترددٍ. هناك أشياء لا تُرى، لكنها تُحس وتبقى في القلب.
ذلك الشارع لم يعد مُجرد مكان؛ صار ذاكرةً حيّةً، ووجوهًا لا تُنسى، وضحكات قاومت التعب والجوع وتحولت للحظات من الفرح. كأننا كُنَّا عائلة عابرة اجتمعت صدفة، لكنها صدفة صادقة بما يكفي لتبقى.
وأتساءل اليوم… هل عادوا إلى سوريا أم ما زالوا في تُركيا أو في دولة أخرى؟ هل هم بخير، أم أصابهم مكروه لا سمح الله؟ وكيف هو إبراهيم بعدما كبُر… وهل ما زال يتذكرني؟!
