د. خالد بن علي الخوالدي
لا أدّعي خبرتي الطويلة في الحياة، ولا أقف موقف الكبير الذي ينصح ويُوجه وينذر ويحذر، صحيحٌ أنني في السنوات القريبة من الخمسين، ولكن ما زلتُ لم أصل إلى مرحلة المُوَجِّه والمُرشِد، فقط في هذا المقال السريع والبسيط أُذكِّر أبناء وطني عُمان من باب التذكير مصداقًا لقول المولى سبحانه وتعالى "وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ" (الذاريات: 55) فلعل شابًا في مقتبل العمر متحمس ومندفع يقف مع هذا المقال وتهدأ نفسه، ولعل كبيراً في السن غافل عن ما يدور حوله فيمر عليه المقال فيتذكر وينتبه.
وما يدور حولنا اليوم من أزمات وصراعات وحروب، سواء في حاضرنا أو فيما مضى أو حتى فيما قد يأتي مستقبلًا، يضع الجميع أمام مسؤولية كبيرة في كيفية التعامل مع هذه الأحداث، خاصة في زمن أصبحت فيه الكلمة تحفظ والموقف يوثق والصوت لا يختفي مهما ظنَّ صاحبه أنه عابر.
ونحن في عُمان شعب عُرف بالحكمة والرزانة وبالاعتدال الذي لم يكن يومًا ضعفًا، فعُمان قوية بحكومتها وبشعبها، تلاحم قوي مبني على إدراك وخبرة طويلة، فعُمان أدركت منذ زمن بعيد أن السياسة ليست اندفاعًا عاطفيا، وإنما قراءة عميقة للمصالح وحفظ للأوطان وصون للاستقرار.
نتعاطف مع أشقائنا المُسلمين ونشعر بآلامهم ونقف مع قضاياهم العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي ستبقى حاضرة في ضمير كل عربي ومسلم حُر، نتألم لما يحدث حولنا وندعو للسلام ونقدم ما نستطيع من دعم إنساني ومعنوي، لكننا في الوقت ذاته ندرك أنَّ المواقف يجب أن تكون محسوبة وأن الكلمات ليست دائمًا بلا ثمن؛ فالزمان الذي نعيشه اليوم تحكمه المصالح أكثر مما تحكمه العواطف، ومن يقف معك اليوم قد يختلف معك غدًا، ومن تهاجمه اليوم قد يُصبح حليفًا في المستقبل، وهذه ليست دعوة للتخلي عن المبادئ وإنما دعوة للحكمة في التعبير والوعي في الطرح والاتزان في التفاعل.
لقد علمتنا السياسة عبر التاريخ أنه لا يوجد صديق دائم ولا عدو دائم، وإنما توجد مصالح متغيرة وتحولات لا تتوقف، ولذلك فإن أكثر ما يضع الإنسان في الحرج هو أن يتحول إلى أداة للدفاع عن سياسات دول أخرى أو الهجوم على دول بعينها، ثم تتغير تلك المواقف السياسية لاحقًا، فيبقى هو وحده أسير كلمات قالها في لحظة حماس.
واليوم في عصر مواقع التواصل الاجتماعي، لم تعد الكلمات تختفي، ما تكتبه في لحظة غضب أو ما تنشره بدافع الحماسة، قد يبقى سنوات طويلة، ربما تحذف التغريدة بعد دقائق لكن هناك من صورها ومن احتفظ بها ومن سيُعيد نشرها في الوقت الذي لا تتوقعه، العالم الرقمي لا ينسى والناس تحفظ كل شيء.
ونرى اليوم كثيرًا من الأشخاص الذين كانوا يهاجمون دولًا أو شعوبًا أو سياسات مُعينة، ثم تغيرت التوجهات السياسية فتغير خطابهم بالكامل، لكن ما كتبوه سابقًا بقي شاهدًا عليهم، لذلك فإن الوعي الحقيقي ليس في رفع الصوت وإنما في معرفة متى تتحدث وكيف تتحدث ولماذا تتحدث.
إن أجمل ما يمكن أن يتمسك به العُماني هو نهج دولته الحكيم، عُمان لم تبنِ مكانتها بالصراخ ولم تصنع احترامها بالاندفاع، وإنما صنعته بالحكمة والهدوء والتوازن والقدرة على بناء الجسور مع الجميع دون التفريط في ثوابتها ومبادئها.
فاجعل عُمان أولًا، دافع عن وطنك بكل ما تملك، لأن الوطن ليس مجرد أرض بل هو الأم التي احتضنتك والهواء الذي تنفسته والهُوية التي تحملها والأمان الذي تعيش فيه، الوطن هو الثابت الحقيقي وسط عالم متغير، أما القضايا السياسية الدولية، فاجعل حديثك فيها امتدادًا لنهج دولتك، لا انعكاسًا لحماس مؤقت أو تأثير عابر، لأن الدولة ترى المشهد من زاوية أوسع وتتحرك وفق مصالح وطنية واستراتيجية دقيقة، بينما يتحرك الأفراد أحيانا بدافع الانفعال اللحظي.
ليس المطلوب أن نصمت عن القضايا الإنسانية، ولا أن نتخلى عن مشاعرنا تجاه أمتنا، المطلوب أن نجمع بين القلب والعقل، بين التعاطف والحكمة وبين المبدأ والاتزان، وعُمان تستحق أن تكون أولًا في كلماتنا وفي وعينا وفي مواقفنا دائمًا وأبدًا.
ودُمتم ودامت عُمان بخيرٍ.
