قمة ترامب وشي في بكين

علي الرئيسي **

 

تُثير زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الى بكين، فضول كثير من المراقبين للعلاقات الصينية الامريكية؛ حيث تأتي هذه الزيارة وكثير من المحللين الصينيين يعتقدون أن حرب إيران قد اضعفت قدرة أمريكا للدفاع عن تايوان؛ مما يجعل الرئيس ترامب في موقع ضعف امام الرئيس الصيني شي جينبيج.

يرى بعض المحللين العسكريين والجيوسياسيين الصينيين أن الحرب لم تقتصر على استنزاف مخزونات الذخائر الأمريكية فحسب؛ بل حطَّمت أيضًا هالة الهيمنة الأمريكية، ويجادلون بأنها كشفت عن خللٍ جوهري في استراتيجية الحرب الأمريكية، في ظل عجزها عن إنتاج الأسلحة بالسرعة الكافية لتجديد ترسانتها في صراع طويل الأمد وشديد. ورغم ان الصحافة في الصين مارست نوعًا من التحفظ في نقد الحرب الامريكية الإسرائيلية على إيران، إلّا أن الرئيس الصيني أعلن أن هذه الحرب تعد مُخالِفة للقانون الدولي. وتتميز علاقة الصين مع إيران بأنها علاقة مصلحة تجارية واقتصادية أكثر من كونها موقفًا أيديولوجيًّا.

من ناحية أخرى، فإن المأزق الأمريكي مع إيران يُضعف موقف الرئيس ترامب عند بدء المحادثات مع الرئيس شي خلال الزيارة المرتقبة نهاية الأسبوع الجاري، وهذا يُفسِّر محاولة أمريكا الوصول الى اتفاق مع إيران. وبحسب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكي: "كان ترامب ينوي في الأصل زيارة الصين وكأنه حقق انتصارًا سريعًا، مُستغِلًا هذا الانتصار لزيادة الضغط على الصين. أمَّا الآن، ومع وصول الصراع إلى طريق مسدود وتوقف الحملة العسكرية، فإنه يجد نفسه في موقف صعب".

من المتوقع أن يسعى الرئيس ترامب الى ابرام اتفاقيات مع الرئيس شي جينبينج للمساعدة في حفض العجز التجاري الأمريكي مع الصين، وقد يشمل ذلك تعهدات بشراء المزيد من فول الصويا وطائرات البوينج، كما من المحتمل أن يضغط ترامب بشأن استمرار الصين في شراء النفط الإيراني.

أمَّا الصين، من جانبها، فترغب في استقرار العلاقات مع إدارة ترامب وتمديد الهدنة التجارية من أجل التركيز على إنعاش اقتصاداها وتطوير تقنياتها الخاصة.  كما ترغب الصين في خفض دعم أمريكا لتايوان وترغب في عدم بيع الأسلحة الأمريكية للجزيرة.

انخرطت الدولتان في حرب تجارية متقطعة، ومع بداية عام 2025، بدا أن قطيعة شاملة أمر لا مفر منه؛ إذ تم رفع التعريفات الجمركية إلى أكثر من 100%. ومنذ ذلك الوقت، قام البلدان بخفض للتعريفات الجمركية فيما يبدو أنها هدنة، ولكنها في الحقيقة جمودٌ؛ إذ بإمكان الصين خنق الصناعة العالمية بمنع وصول المعادن النادرة، بينما تستطيع أمريكا فرض عقوبات مُدمِّرة على السلع عالية التقنية وعلى التدفقات المالية.

وهذا الجمود غير مستقر؛ فبينما تسعى أمريكا جاهدةً لكسر احتكار الصين لمعادن الأرض النادرة، تدعم الصين إنتاج أشباه الموصلات وتحاول التحرر من الدولار. في الوقت الراهن، سيكون من نتائج القمة الجيدة أن يتعهد الطرفان بالالتزام بسياسة قابلة للتنبؤ. وثقة ترامب المفرطة في الرسوم الجمركية تجعل خفضها غير واقعي، لكن الإبقاء عليها عند مستوياتها الحالية سيتيح على الأقل للشركات مواصلة أعمالها.

وتزعُم مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية، بأن الخطر يكمن في سوء التقدير؛ إذ يُحقِّق مسؤولون تجاريون أمريكيون في فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية والعمل القسري في الصين، وهو ما قد يُتخذ ذريعةً لفرض تعريفات جمركية أعلى في غضون أشهر. وفي الثاني من مايو الجاري، لجأت الصين إلى "إجراء حجب" يُهدد بفرض عقوبات مالية على الشركات التي تمتثل لبعض العقوبات الأمريكية. كما هددت الصين بملاحقة الشركات التي تُحوِّل سلاسل التوريد إلى دول أخرى، وهو ما تحث عليه أمريكا تحديدًا. وهكذا، يُرسِّخ البلدان معيارًا للامتثال لا يستند إلى القانون، بل إلى القوة. ويتعين على المديرين التنفيذيين العالميين اختيار أي حكومة يخشونها أكثر.

قد تُشجِّع الحرب في إيران الصينَ في نهاية المطاف على أن تصبح أكثر حزمًا في آسيا باستخدام تكتيكات المنطقة الرمادية؛ وهي تحركات هجومية لا تصل إلى حد إشعال حرب شاملة. فعلى سبيل المثال، قامت الصين خلال الأشهر القليلة الماضية ببناء جزيرة في المياه المتنازع عليها قبالة سواحل فيتنام؛ مما سيساعدها على تعزيز سيطرتها على بحر الصين الجنوبي. ورغم ذلك لا يرى المراقبين أن الصين ستغزو تايوان في القريب العاجل، إلّا إذا اتخذت تايوان خطوات نحو إعلان استقلالها.

** باحث في قضايا الاقتصاد والتنمية

الأكثر قراءة

z