مُزنة المسافر
دلولة تقف على الشرفة، وهنا تلمح الأراجوز وهو يسير نحو مقهى الزقاق حيث عمي رجب، يشرب كوباية الشاي، ويرمي النرد نحو الهواء، إنه يلعب، يلهو، يتسلى، بينما الأراجوز يعرق ويقلق من أن يلاقي عمي رجب بكل هيبته بعد غياب، هل سيسلم عليه كما يسلم الأحباب؟
تفكر دلولة، هل ستتدخل؟، وتدخل وسط عراك قد يحدث ربما، تكون وسط خناقة بين أبٍ وابنه، لا يمكنها أن ترى كل ذلك يحدث، إنها مشتاقة، تواقة لرؤية وجه الأراجوز أمام عينيها، هل تنزل لتحت؟، أم تبقى لتراقب بقية المشهد، والمشهد قد يحدث كالتالي:
عمي رجب يبتسم، ويقف لوهلة ليرى ظلًا يعرفه جيدًا، إنه ظل الأراجوز.
الأراجوز: صباح الخير يا عمي رجب؟
عمي رجب: إيه ده، مش ممكن!، كنت فين يا حبيبي يا أراجوز؟
يا حبيبي يا صغيري، يا رفيق دربي، يا فلذة كبدي، يا قرة عيني، في يوم وليلة كنت طفلًا صغيرًا، أراجوزًا طفلًا، ينطق كلماته الأولى: بابا رجب!، بابا رجب تعالا يا بابا، اسمعني يا بابا، احضر لي هذا، اجلب لي ذاك، دعنا نذهب للمنتزه، نتزحلق، تعجبني الأرجوحة التي هناك.
عمي رجب: إنته كويس يا بني يا أراجوز؟
كل شيء فيك مصنوع، قطن وخيوط، تذكر يا أراجوز، أن عمي رجب، صنعك، رسمك على ورقة وكراس، طلب عمي رجب من الأراجوز في اللحظة أن يدور، وبحث عن قطعة قماشية، خلف رقبة الأراجوز مكتوب عليها: الأراجوز ابن الحاج رجب سليمان.
وهنا تحرك الأراجوز بغرابة، لم يعد يملك البراعة في أن يمثل أمام عمي رجب، إنه يحن عليه، ويسأل عنه، ويردد في نفسه أنه ابنه، رغم أنه مصنوع من قطن وخيوط.
عجبًا يا أراجوز، هل ستهرب من جديد؟
من أجل من هذه المرة ستغيب؟
بينما دلولة، تغطي جسدها بالملاية اللف، وتضع بقعة وردية على خديها، وبعدها تضع أحمر شفاه يناسب اللحظة القادمة.
إن نفسها عارمة بالأحاسيس، وهي تنزل السلالم بكعب يُطقْطِق.
هرولت حتى وقفت أمام الأراجوز وعمي رجب.
قدم عمي رجب كوباية الشاي للأراجوز وطلب منه أن يجرب الشاي الكُشري، وينسى أن الشاي يُسهر، وأن شاربيه هم فقط الذين يحبون أن يعملوا مساءً، وأن لا يغطوا في نوم عميق مبكرًا جدًا.
وقبل أن يحتسي الأراجوز الشاي، وجد عصافير بطنه قد بدأت بالطيران.
ارتبك الأراجوز أمام غنج دلولة الجديد.
دلولة: كنت فين يا أراجوز؟
عايزاك في كلمتين!
بعد كل ذلك الوقت، هل ستختصرين كل شيء في كلمتين يا دلولة؟، قولي أكثر أمام جرأتك الجديدة؟ قولي الكثير يا مجيدة، قولي ما يجول في خاطرك، تذكري كل الأمور التي تزعجك من الأراجوز.
الأراجوز: دلولة، يا حبيبتي يا دلولة!
دلولة: أنا زعلانة منك أوي.
بهمس يخبرها، بعيدًا قليلًا عن الطاولة التي يجلس قربها عمي رجب.
أبعدها أكثر عن كل شيء في الحي، وطلب منها أن تنظر نحو عينيه، ليسألها:
الأراجوز: سرك إيه يا بِت!
دلولة: هوه أنا عندي سر يا أراجوز؟
الأراجوز: آه، وكبير أوي، قد الدنيا.
دلولة: إيه هوه بقى يا فالح؟، قولي!
الأراجوز: ما بتكبريش!
صغرت الدنيا في عين الأراجوز، صغر كل شيء فجأة، إلّا أنتِ يا دلولة كبيرة في عينه، جميلة في خياله، وفي واقعه، وهل ستكبرين أكثر في قلبه؟ من يدري؟!
