الإعلام العربي وفخ "التأطير".. حين تصبح المفردة سلاحًا للتنميط

 

 

 

 

​عبدالخالق بن محمد آل عيسى

 

​في المشهد الإعلامي العربي الراهن، لم يعد الخبر مجرد نقل للواقع، بل استحال إلى عملية هندسية مُعقدة يتم من خلالها صياغة الوعي الجمعي عبر "سياسة المفردات المعلّبة". نلحظ اليوم تماهيًا لافتًا بين الإعلام التقليدي والمنصات "الموجهة" في استخدام قواميس لغوية لا يحيد عنها المذيع أو الضيف، وكأنها نصوص مقدسة مرسومة ضمن إستراتيجية شاملة تهدف إلى ترسيخ سردية بعينها في العقل الباطن للمشاهد.

و​تعتمد هذه الوسائل ما يسميه علماء الاتصال بـ "التأطير الإخباري" (News Framing)، وهو اختيار جوانب محددة من الواقع وجعلها أكثر بروزًا لتعزيز تفسير معين. ففي الوقت الذي يستخدم فيه الإعلام التقليدي مصطلحات تبدو "دبلوماسية" أو "معتدلة" مثل (وكلاء، أدوات، تابعين)، نجدها تعمل بالتوازي مع جيوش إلكترونية وحسابات مشبوهة في الفضاء الرقمي تضخ مفردات إقصائية موغلة في الابتذال (كالتبعية المطلقة أو النعوت الطائفية والعرقية وغير الأخلاقية).

​هذا التكامل الأدائي ليس عفويًا؛ بل هو توزيع مدروس للأدوار؛ فالإعلام التقليدي يمنح المصطلح صبغة "الشرعية السياسية"، بينما تتولى الوسائط البديلة والبرامج الحوارية المؤطرة مهمة "الشيطنة" والتحقير، والهدف النهائي هو تعميم "سردية التبعية" وإلصاق تهم العمالة بكل صوت يحاول الخروج عن هذا النسق، متجاهلين أن لكل صراع سياقاته التاريخية والجغرافية التي لا يمكن إسقاطها قسرًا على كل خلاف إقليمي.

إن الخطورة تكمن في أن هذه المصطلحات باتت ترسم في "العقل الباطن" صورة نمطية جاهزة لكل محاور أو محلل عربي يحاول كسر هذه القيود اللغوية. وهنا نجد أنفسنا أمام ظاهرة "التبعية اللغوية"؛ حيث تتطابق السردية العربية في كثير من مفاصلها مع الدعاية "البروباجندا" الغربية والصهيونية، التي تسعى لتجريد أي حراك أو رأي مخالف من صبغته الوطنية أو القومية، وإحالة أسبابه دائمًا إلى قوى خارجية.

​بينما يظل النموذج الصهيوني فريدًا في إجرامه وهيكلية افعاله التي تستدعي وصفا يليق به، نجد محاولات حثيثة لاستخدام ذات "القالب" لوصف خلافات عربية-إقليمية (كخلاف البعض مع إيران)، وهي مقارنة تفتقر للموضوعية العلمية والتاريخية، لكنها تخدم غرض التعبئة السياسية اللحظية.

​الخلاصة المريرة هي أن الإعلام العربي التقليدي بات أسيرًا لصناع القرار، فغابت عنه "الخصوصية المهنية" وحلت محلها "التبعية المطلقة". نحن أمام إعلام يتلون وفق الحاجة السياسية والسردية المطلوبة، مستغلًا في بعض الأحيان فجوات الوعي لدى المتلقي، رغم أننا نعيش في عصر "انكشاف الحقائق" بفضل تعدد المصادر وتوفر أدوات التمحيص لمن أراد التثبت.

​إن استمرارية هذا النهج هي السيناريو المرجح في المنظورين القريب والبعيد. فالإستراتيجيات التي ضُخت لأجلها مبالغ طائلة لسنوات طويلة لا يمكن تغييرها بجرة قلم، خاصة في ظل غياب أي مؤشرات حقيقية لتعديل المسار الاجتماعي أو السياسي العربي؛ بل إن الواقع يشير إلى زيادة في "التشدد الاصطلاحي" والتمسك بذات الخطاب الحاد، بانتظار نتائج الصراعات الإقليمية الكبرى. ويبدو أن البعض يراهن على عدم حدوث نتائج حاسمة قد تضطرهم لتغيير هذا النهج، مفضلين البقاء في دائرة "التوجيه" بدلًا من الانعتاق نحو إعلام عربي حر، يبحث عن المصطلح في قواميس الحقائق لا في دهاليز السياسة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z