إعادة الاعتبار للغطاء النباتي العُماني

 

 

 

أحمد مسلم سوحلي جعبوب

 

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الحضري، لم يعد التشجير مجرد عنصر تجميلي، بل غدا ركيزة أساسية في تحقيق التوازن البيئي والاستدامة. وقد أفرز الاعتماد الواسع على النباتات الدخيلة تحديات بيئية متنامية، تمثلت في انتشار أنواع غازية أثّرت سلبًا في النظم الطبيعية، الأمر الذي يفرض اليوم تبنّي توجه وطني يُعيد صياغة علاقة المدن ببيئتها النباتية.

إن الانتقال من واقع يتأثر بالغزو النباتي إلى نهج مستدام يستدعي إعادة الاعتبار للنباتات العُمانية، بوصفها الخيار الأكثر انسجامًا مع طبيعة الأرض والمناخ. فاعتماد هذه النباتات لا يُعزز الهوية البيئية فحسب، بل يسهم في بناء مدن أكثر توازنًا، تستمد جمالها من مكوّناتها المحلية وتعبّر عن خصوصيتها الطبيعية. كما أن هذا التوجه يفتح المجال أمام شراكة فاعلة بين الجهات الحكومية والمجتمع، ويعزز دور المبادرات التطوعية في حماية الغطاء النباتي الوطني وترسيخ ثقافة بيئية مستدامة.

تزخر سلطنة عُمان بتنوّعٍ فريد في الحياة الفطرية، يعكس ثراءً بيئيًا نادرًا يمتد من الجبال إلى الصحاري والسواحل، وتشكّل النباتات البرية أحد أبرز ملامح هذا التنوع. وعلى الرغم من أن هذا المقال لا يسعه حصر ما تزخر به البلاد من أنواع نباتية وطنية، إلا أنه يسلّط الضوء على أهميتها بوصفها نباتات نبتت من أرض الوطن وترابه، وحملت خصائصه وتكيّفت مع مناخه عبر الزمن. إن توجيه جهود التشجير وتزيين الشوارع والحدائق نحو هذه النباتات من شأنه أن يحظى باهتمام الجهات الحكومية، ويعزّز في الوقت ذاته دور المجتمع المحلي والفرق التطوعية في الحفاظ على هذا الإرث الطبيعي، وبناء الثقة في إعطاء الأولوية للنباتات الوطنية بوصفها خيارًا مستدامًا.

وقد أثبتت هذه النباتات قدرتها العالية على التحمّل والتأقلم مع ظروف السلطنة المناخية القاسية، من حرارة وجفاف، ما يجعلها الأنسب للاستخدام في التشجير الحضري عند اختيارها بشكلٍ مدروس، سواء لأغراض الظل أو الزينة. ومن هنا، يبرز الأمل في توسيع زراعة أنواع وطنية أصيلة مثل الغاف، الفرفارة، أشجار اللبان، التبلدي، الرنف (أرير)، والقطف، السرح، البان (الشوع)، والتين البري بمختلف أنواعه، نبات الزام، إلى جانب الأثل، والمرخ، والصبار الهندي (صيريت)، والسدر، وسغوت، ونبات «زبّون» (Cienfuegosia welshii)، وغيرها من النباتات البرية، فضلًا عن طيف واسع من الصباريات والعصاريات والشجيرات المتوسطة التي تمتاز بجمالها وقلة احتياجها للمياه. إن تبنّي هذه الأنواع في مشاريع التشجير لا يمثّل مجرد خيار جمالي، بل هو استثمار في هوية بيئية مستدامة تحفظ توازن الطبيعة وتعكس خصوصية عُمان النباتية.

ورغم هذه المقومات، تتمثل أبرز التحديات في استمرار الاعتماد على نباتات الزينة المستوردة في مشاريع التشجير الحضري، مقابل عزوف ملحوظ عن تبنّي النباتات الوطنية إلا في نطاق محدود وخجول، كما يظهر في استخدام بعض الأنواع مثل الغاف في محافظة مسقط، وأشجار اللبان والتبلدي في ظفار بأعداد لا ترقى إلى مستوى الإمكانات المتاحة. هذا التوجه أسهم في إدخال أنواع نباتية دخيلة تحولت مع الزمن إلى عناصر غازية تُهدد التوازن البيئي، ومن أبرز الأمثلة على ذلك نبات المسكيت (Prosopis juliflora) الذي انتشر على نطاق واسع في مختلف مناطق السلطنة، ونبات اللانتانا (Lantana camara) الذي بات يشكّل خطرًا حقيقيًا على المراعي والغابات في جبال ظفار.

أحد التحديات الحاضرة للأسف يتمثل في اعتماد بعض نظم الحدائق والتشجير في السلطنة على نبات الكونيكاربوس Conocarpus erectus، الذي أصبح واسع الانتشار في مشاريع التشجير وعلى جنبات الشوارع والطرق العامة. ورغم استخدامه في بعض التطبيقات الجمالية، إلا أن له آثارًا سلبية على البنية التحتية والأنظمة البيئية في البيئات الحضرية، حيث تمتد جذوره بقوة وقد تتداخل مع شبكات المياه والصرف الصحي، مما يؤدي إلى تلفها وزيادة تكاليف الصيانة. وقد اتجهت بعض الدول إلى تقييد أو منع زراعته في مشاريع التشجير بعد رصد مشكلات بيئية وهندسية مرتبطة به، ما يعكس أهمية إعادة تقييم استخدامه ضمن السياسات التشجيرية المحلية.

كما لا يُعد هذا النوع التحدي الوحيد، إذ توجد نباتات دخيلة أخرى من الأشجار والشجيرات والأعشاب، تشكّل مجتمعة ضغطًا متزايدًا على النظم البيئية المحلية.

كما يكمن التحدي في غياب برامج فعّالة لاجتثاث هذه الأنواع الغازية أو الحد من انتشارها، إلى جانب ضعف الرقابة الدورية على المشاتل التي قد تستورد نباتات غير مدروسة بيئيًا، ما يفتح الباب أمام تكرار المشكلة مستقبلًا. ويُضاف إلى ذلك محدودية التنسيق المؤسسي بين البلديات والجهات البيئية المختصة، الأمر الذي يؤدي إلى اتخاذ قرارات تشجيرية لا تستند دائمًا إلى أسس علمية أو بيئية راسخة.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة توجيه سياسات التشجير الحضري نحو اعتماد النباتات الوطنية بوصفها الخيار الأول في مشاريع الزينة، لما تمتلكه من قدرة عالية على التكيف والاستدامة. كما تتأكد أهمية الرجوع إلى هيئة البيئة باعتبارها الجهة الحاضنة للنباتات البرية في السلطنة، واستشارتها في اختيار الأنواع المناسبة للتشجير.

ومن الضروري كذلك تعزيز التعاون مع علماء وخبراء الحديقة النباتية الوطنية، والاستفادة من جهودهم في حصر وتصنيف نباتات السلطنة، بما يضمن اختيار أنواع ملائمة بيئيًا وجماليًا. كما يُوصى بإطلاق برامج وطنية لرصد ومكافحة النباتات الغازية، وعلى رأسها المسكيت، الكونيكاربوس، واللانتانا، والعمل على اجتثاثها بشكل منهجي لحماية النظم البيئية المحلية.

وفي السياق ذاته، تبرز الحاجة إلى فرض رقابة صارمة ومنتظمة على المشاتل، لضمان عدم استيراد أو تداول أنواع نباتية قد تتحول إلى خطر بيئي مستقبلي. وأخيرًا، فإن تبنّي رؤية وطنية شاملة للتشجير المستدام، قائمة على الهوية النباتية العُمانية، من شأنه أن يسهم في تحقيق توازن بيئي وجمالي طويل الأمد، ويحفظ للسلطنة ثروتها النباتية الفريدة.

صور داخل النص (10).jpeg
صور داخل النص (11).jpeg
صور داخل النص (9).jpeg
صور داخل النص (8).jpeg
صور داخل النص (6).jpeg
صور داخل النص (4).jpeg
صور داخل النص (3).jpeg
صور داخل النص (2).jpeg
صور داخل النص (1).jpeg
 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z