الارتزاق الإعلامي

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

في خضمّ الحرب الإعلامية الدائرة بين بعض الدول العربية من جهة، وبينها وبين إيران من جهة أخرى، ومع تعمّق الانقسامات السياسية وتباين التحالفات، لعب المُرتزقة الإعلاميون دورًا كبيرًا في توتير العلاقات ومحاولة تضليل الرأي العام. وأسوأ هؤلاء هم الذين انقلبوا على أوطانهم بصورة صريحة ومُستفزّة، فجعلوا من المنابر الإعلامية أدوات للشماتة والتحريض وتصفية الحسابات، مُتخَلّين عن أبسط معايير المهنية والولاء الأخلاقي للمهنة قبل أي شيء آخر.

غير أن هذه الظاهرة، رغم حداثة أدواتها، ليست جديدة في جوهرها؛ فالارتزاق الإعلامي بمعناه القائم على تسخير الكلمة مقابل منفعة يمتد بجذوره إلى عصور سابقة لظهور الصحافة الحديثة. في التاريخ العربي مثلًا، عُرف شعراء البلاط الذين سخّروا قصائدهم لمدح الحكّام مقابل العطاء، كما استُخدم الهجاء لتشويه الخصوم. وفي أوروبا، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، ظهرت فئة "الكُتّاب المأجورين" الذين كانت الحكومات والأحزاب تموّلهم لنشر كتيّبات ومنشورات تخدم سياساتها. ومع تطور وسائل الإعلام في القرن العشرين، خصوصًا خلال الحروب العالمية والحرب الباردة، تحوّل الإعلام إلى أداة دعائية منظّمة تُستخدم لتعبئة الجماهير وصياغة الروايات بما يخدم موازين القوة.

اليوم، دخل الارتزاق الإعلامي مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة مع انتشار المنصات الرقمية؛ إذ لم يعد مقتصرًا على مؤسسات إعلامية تقليدية؛ بل اتسع ليشمل حسابات فردية، ومؤثرين، وشبكات منظمة تدير حملات تضليل وتوجيه ممنهجة. وفي سياق المنطقة، برزت حملات إعلامية متبادلة تُدار عبر قنوات فضائية ومنصات رقمية، تُضخّم الخلافات، وتعيد تدوير الشائعات، وتُقدّم مقاطع مُجتزأة أو روايات مبتورة لخدمة أجندات سياسية.

واللافت أن كثيرًا من هؤلاء المرتزقة لا يملكون تأثيرًا حقيقيًا خارج دائرة الاستفزاز والضجيج؛ فهم لا يصنعون وعيًا راسخًا بقدر ما يراهنون على إثارة الغرائز والانفعالات. والأسوأ أنهم، بدل أن يخدموا الجهات التي يتحدثون باسمها، يتحولون إلى عبء عليها، لأن خطابهم الفجّ والمباشر يكشف طابعه الدعائي، ويفقده المصداقية، ويدفع الجمهور إلى التشكيك حتى في الرسائل التي قد تكون مشروعة.

ولعلّ من أبرز التحولات في هذا المشهد، ارتفاع مستوى الوعي لدى المتلقين، بالتوازي مع سهولة الوصول إلى المعلومات في الفضاء الرقمي؛ حيث بات التحقق من الأخبار وكشف التلاعب ممكنًا في دقائق، بل ثوانٍ، خصوصًا مع تسارع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي. هذا الواقع الجديد ضيّق هامش المناورة أمام المرتزقة الإعلاميين، وجعل كثيرًا من أساليبهم مكشوفة ومكررة؛ الأمر الذي أفقد خطابهم جزءًا كبيرًا من تأثيره.

غير أن القول إنَّ بضاعتهم أصبحت "بائرة" بالكامل قد لا يعكس الصورة بدقة؛ فبينما تراجعت فاعلية الخطاب الساذج والمباشر، ظهرت أشكال أكثر تعقيدًا من التضليل، تعتمد على نصف الحقيقة، أو التلاعب بالسياق، أو توظيف المحتوى المرئي والمُزيَّف بصورة يصعب أحيانًا تمييزها. وهنا تكمن المفارقة: كلما تطورت أدوات كشف الزيف، تطورت معها أدوات صناعته.

ومع ذلك، يبقى العامل الحاسم هو وعي الجمهور؛ فالمتلقي اليوم لم يعد طرفًا سلبيًا يبتلع الرسالة دون تمحيص، بل أصبح في كثير من الأحيان جزءًا من عملية التدقيق نفسها. وهذا التحول- إن استمر وتعمّق- كفيلٌ بأن يضع الارتزاق الإعلامي في زاوية ضيقة، لا يختفي فيها تمامًا، لكنه يفقد قدرته على التأثير الواسع، ويتحوّل من أداة توجيه إلى مجرد ضجيج عابر في فضاء أكثر وعيًا ونقدًا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z