لماذا يُقدِّم بعض الموظفين أكثر مما يُطلب منهم؟

 

 

د. عبدالعزيز بن محمد الصوافي **

في أروقة العديد من المؤسسات الناجحة، نجد موظفين يتفانون في أداء أعمالهم بروح تتجاوز حدود الوصف الوظيفي الرسمي. يقدمون مساهمات إضافية طوعية، ويساندون زملاءهم بعفوية، ويبتكرون حلولًا للتحديات اليومية دون تكليف مباشر.

ويُعرف هذا النمط من السلوك بـ"المواطنة التنظيمية" (Organizational Citizenship)، وهو مفهوم يشير إلى المبادرات الإيجابية والتطوعية التي يقوم بها الفرد بما يحقق مصلحة المؤسسة ويدعم بيئة العمل، بعيدًا عن نطاق الواجبات الوظيفية المحددة أو التعليمات الرسمية. ويمكن توصيف هذا السلوك من منظور قيمي وديني بأنه عمل يُؤدى بإخلاص واحتساب، ابتغاءً للأجر والثواب من الله.

وتتخذ المواطنة التنظيمية صورًا عدة؛ فقد يساعد الموظف زميله في أداء عمله دون طلب، أو يلتزم بدقة بإجراءات المؤسسة حتى في غياب الرقابة، أو يتطوع للمشاركة في أنشطة تطويرية أو مهنية داخل المؤسسة. بل إنه قد يتغاضى عن أخطاء بسيطة لدى الآخرين بروح إيجابية. باختصار، تخلق هذه المبادرات بيئة عمل أكثر تعاونًا وتآزرًا. وقد أظهرت دراسات أن المؤسسات التي تقدر هذه الثقافة تحصد إنتاجية أعلى ورضا وظيفي أكبر في أوساط العاملين.

ومع ذلك، لا تنشأ هذه الروح تلقائيًا؛ فالعلاقة بين الموظف والإدارة هي العامل الحاسم. فعندما يشعر العامل بالاحترام والعدالة وتلقّي الدعم من قيادته، يزداد حماسه للمساهمة الإضافية. أما إذا غاب الجو الداعم أو وجد إساءة في المعاملة، فإن المبادرة تضعف. ولذلك، فإن القائد الحكيم يُقدر تلك المبادرات ويكافئها معنويًا، ما يعزز روح الانتماء ويعلي مستوى الأداء العام للمؤسسة.

وتتجلى قوة المواطنة التنظيمية في الواقع العملي. فقد لاحظت تقارير صحية بأن تعاون الممرضات والممرضين تطوعيًا في متابعة المرضى- دون انتظار أوامر محددة- رَفَعَ جودة الرعاية وزاد رضا المراجعين. وحتى في أوقات الأزمات، ساهمت المبادرات الذاتية للعاملين في مشاريع إنشاء مستشفيات الطوارئ أثناء وباء كورونا في إنجازها بسرعة وكفاءة واحترافية، مدفوعة بإحساسهم المشترك بالمسؤولية الاجتماعية والوطنية. كل ذلك يؤكد أن بناء ثقافة جماعية تقوم على الأخلاق المهنية والتعاون ينقل المؤسسة إلى آفاق جديدة. وتشير هذه الوقائع إلى أن المؤسسات التي تستثمر في بناء بيئة تحفِّز المبادرات الفردية والابتكار الجماعي ستنجح في مواجهة تحديات المستقبل.

في خضم التحولات المتسارعة في سوق العمل والاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، تبقى "المواطنة التنظيمية" عامل تماسك رئيسي، والمؤسسات التي تحرص على تحفيز موظفيها على القيام بالمبادرات التطوعية اليوم تبني غدًا أساسًا صلبًا من الإبداع والمرونة؛ فعندما تصبح المبادرات الفردية جزءًا من ثقافة المنظمة، يُصبح التكيف مع المتغيرات والإنتاجية العالية طبيعةً ثانية لها.

** باحث أكاديمي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z