طفول سالم
دراسة في فن الهيمنة بأريحية
أو كيف يُحتال على العقل دون أن يشعر؟
السؤال الذي يطرحه كل عاقلٍ حين يُغلق شاشة التلفاز: «هل أنا حقًا أشاهد فيلمًا، أم أن الفيلم يشاهدني؟»
هذه ليست مجرد لعبةٍ لغويةٍ يمارسها الفلاسفة الفاشلون في مقاهي باريس، بل هي حقيقةٌ مُرّة؛ إذ إن السينما ليست «ترفيهًا»، بل هي أداة هندسة اجتماعية تُدار بأريحيةٍ تُحسد عليها حتى أرستقراطية فرساي.
في تفكيك العِرق
أو كيف تُصبح الكنيسة السوداء «أصيلة»
من «الفودو» إلى «الروحانية»
كان يا ما كان، في زمنٍ سحيقٍ يُسمى «القرن العشرين»، كانت هوليوود تُقدِّم الأفارقة بأنهم «وحوش» يُمارسون «الفودو». في (Trader Horn 1931) و(King Kong 1933)، كان السكان المحليون يُقدَّمون كتهديدٍ للحضارة البيضاء، كأن الحضارة البيضاء تحتاج من يساعدها على الشعور بأهميتها.
ثم حدثت المعجزة؛ اكتشفت هوليوود أن «موسيقى السبيريتشوالز» تدرّ أرباحًا طائلة. فتحولت الكنيسة السوداء من «ممارسات وحشية» إلى «تجربة روحية أصيلة». هكذا، بضربةٍ واحدةٍ من عصا المونتاج، صار التوحش «تراثًا»، والتهديد «ثقافة».
كما نلاحظ أن القيمة لا تكمن في الشيء، بل في من يملك حق التسمية.
الكنيسة البيضاء
أو فن التناقض المُتقن
أما المسيحية البيضاء، فتتمتع بامتيازٍ خاص؛ فهي الوحيدة التي تُصوَّر بأنها «خطرة» و«ساذجة» في آنٍ واحد.
في (Night of the Hunter 1955) القسّ مُحرِّضٌ مجنون، وفي (The Big Bang Theory) المؤمنة ماري كوبر «حمقاء بسيطة» تعيش في عالمٍ «تقليدي». وفي (God's Not Dead 2014)، يُصوَّر المسيحيون «ضحايا اضطهاد»، لكن من هوليوود نفسها!
البرادوكس: كيف تكون هوليوود «عدوة المسيحية» و«مُصدِّرة المسيحية» في آنٍ واحد؟
لأنها تبيع للجانبين؛ لليسار: «انظر كم هم متخلفون»، ولليمين: «انظر كم نحن مضطهدون». الهيمنة الحقيقية هي أن تبيع للخصمين سلاحًا واحدًا.
في فن «فرِّق تَسُد»
أو كيف يُصبح المذهب سلعة
الإسلام كتهديد، ثم كفرصة
بعد 11 سبتمبر، اكتشفت هوليوود شيئًا مذهلًا؛ إذ يمكن أن يكون الإسلام «تهديدًا» و«سوقًا» في آنٍ واحد.
ففي (The Kite Runner 2007)، تُقدَّم «الأقلية الضعيفة» (الشيعة) مقابل «الأغلبية القاسية» (السنة). هكذا، ببراعةٍ تُحسد عليها، صار الانقسام المذهبي «قصة إنسانية»، وليس نتاجًا لسياساتٍ استعمارية.
في (Three Kings 1999)، يُصلّي آيس كيوب مع الشيعة. السخرية هنا أنه حين يصير «الراب» أداةً للتقريب المذهبي، تعلم أن العالم قد فقد بوصلته الأخلاقية.
The Lady of Heaven
أو حين تُصبح السخرية ذاتها ضحية
في فيلمٍ بتكلفة 15 مليون دولار، أنتجه ياسر الحبيب، الذي اشتهر بخطاباته المسيئة ضد السنة والشيعة على حدٍّ سواء، نرى ذروة «الفن المذهبي»: ممثلون ذوو بشرة داكنة للشخصيات السلبية، وبشرة فاتحة للشخصيات الإيجابية.
حين تُصبح العنصرية أداةً للتقريب المذهبي، تعلم أننا قد وصلنا إلى قمة «الإبداع» في هندسة الانقسام.
في الحرب الباردة الجديدة
أو كيف تُصبح السينما «مُعقَّدًا عسكريًا»
فن تبسيط التاريخ
في (Argo 2012)، تُصوَّر الثورة الإيرانية بأنها «هجومٌ على الأبرياء»، مع تجاهلٍ تامٍّ للتدخل الأمريكي في شؤون إيران. الإنجاز: تحويل الضحية إلى جلاد، والجلاد إلى ضحية، في 120 دقيقة من المونتاج الاحترافي.
هذا ليس فيلمًا، بل «مُعقَّدًا عسكريًا» (Military-Entertainment Complex)، وهو مصطلحٌ يُوحي بأن البنتاغون و(CIA) واستوديوهات هوليوود يتناولون الغداء في مطعمٍ واحد.
فن إعادة إنتاج العداء
في (Iron Man)، يُنقذ الأمريكيون الأفغان من «إرهابهم». وفي (Top Gun: Maverick 2022)، يظهر علم تايوان على سترة الطيار؛ تفصيلٌ «استفزازي» يُعيد إنتاج العداء للصين بأريحيةٍ تُحسد عليها الدبلوماسية.
هل يمكن أن يكون البطل «محايدًا»؟
الجواب: طبعًا لا، لأن «الحياد» في السينما الأمريكية هو أشدُّ أشكال الانحياز للسلطة التي تُموِّل.
في فشل السينما العربية
أو كيف يُصبح الهامش هيمنةً مقلوبة
من 100 فيلم إلى 20، أو فن التراجع بكرامة
في الثمانينيات، كانت مصر تُنتج 100 فيلم سنويًا. اليوم: 15–20 فيلمًا، معظمها «كوميديا رخيصة» أو «أفلام عيد»، كأنما الهزيمة لا تكتمل إلا بالاستهتار.
بينما تُسيطر هوليوود على 70% من إيرادات شباك التذاكر في المنطقة، نجد السينما العربية مشغولةً بـ«الرقابة الأمنية» و«صعوبة التصاريح».
التفتيت الإقليمي
أو فن الانقسام الذاتي
سينما مصرية تقليدية، سينما خليجية تجارية، سينما لبنانية متوقفة، سينما سورية مُدمَّرة؛ حين تُصبح الهيمنة الذاتية أشدَّ من الهيمنة الخارجية.
في السعودية، التي فتحت دور السينما عام 2018 فقط، تُواجه الصناعة «تحديات كبيرة»، كأنما 70 عامًا من منع السينما كانت «استعدادًا» لدخولها بثقة.
The Lady of Heaven العربي
أو حين نُصبح نحن السخرية
في فيلمٍ «عربي» بتكلفة 15 مليون دولار، نجد استثمارًا عربيًا في «التحريض المذهبي»، كأنما قررنا أن «فرِّق تَسُد» ليست استراتيجيةً غربيةً فحسب، بل هبة يجب أن نُتقنها. حين تُصبح السينما العربية أداةً للانقسام لا للتوحيد، تعلم أن الهيمنة قد أكملت دورتها؛ لم تعد تحتاج إلى أن تفرض نفسها، بل أصبحنا نفرضها على أنفسنا.
كيف تُصبح «اللقطة» حجرًا في جدار الهيمنة
في القرن الحادي والعشرين، لم تعد الحروب تُخاض بالدبابات، بل بالصور. السينما ليست «خيالًا»، بل آلية تمهيد للسياسات.
في اليمن، تُقدَّم الحرب كـ«صراعٍ مذهبيٍّ تاريخي»، وليس نتيجةً لتدخلٍ سعودي–إيراني مُدار من الخارج. في سوريا، تُصوَّر الأزمة كـ«حربٍ طائفية» تعود إلى قرون، وليس نتيجةً لتدخلٍ أمريكي–روسي.
حين يشاهد الأمريكي فيلمًا عن «البطل الذي يُنقذ الشيعة من السنة»، يصبح التدخل العسكري «ضرورةً أخلاقية». وحين يشاهد العربي فيلمًا هوليووديًا يُصوِّر بلاده بأنها «أرض إرهاب»، تصبح التبعية «حلمًا».
السؤال الذي يطرحه كل عاقلٍ حين يُغلق شاشة التلفاز: هل أنا أشاهد الفيلم، أم أن الفيلم يُشكِّلني؟
والجواب: إن كان هناك جواب، فهو أننا لسنا «مشاهدين»، بل منتجين ثانويين في مصنعٍ لا نملك أسهمه، ولا نعرف مكانه، ولا نستطيع—حتى لو أردنا—أن نُغلقه.
السينما، إذًا، ليست بريئة. والأبرياء وحدهم هم الذين يظنون أنها كذلك.
مصادر رئيسية اعتمدت عليها المقالة:
Christianity in Film - Encyclopedia.com
Amen! Music of the Black Church 2020 - Folkstreams
Saudi cinema industry challenges - Arab News (2024)
The Lady of Heaven controversy - BBC News (2021)
Arab film industry struggles - Al Jazeera (2024)
