طفول سالم
التضليل الذي يغشى أعين العالم الإسلامي والعربي... إلى متى؟
الصورة نفسها
البرج السكني يتفتت كورقة شجر تحت دوس عجلة، طفل يجري من ركام بيته نحو ركام بيت جاره، ولا يعرف أن الفرق بين الركامين هو مجرد رقم في دفتر النازحين. سيارة إسعاف تنطلق صافرة في شارع مدمر، والصافرة نفسها التي سمعها هذا الشارع قبل ست سنوات، وقبل عشر، وقبل خمسة عشر.
مشهد يعاد إنتاجه في غزة بين الحين والآخر، كأن التاريخ يلتف على نفسه؛ لكن السؤال الذي يراوغ الإجابة ليس عن طبيعة هذا المشهد، إنما عن العمى الاختياري الذي يصيب أعين العالم الإسلامي والعربي حين يعرض عليها، ذلك العمى الذي يحسن الرؤية أحيانا فيرى المرء ما يريد أن يراه، ويعميها أحيانا أخرى فيرى ما يريدون له أن يراه.
طوبوغرافيا التكرار
غزة ليست قطعة أرض على الخريطة؛ إنها فضاء تكراري، بنية تحتية للتكرار نفسه. في أي حرب سابقة ستجد أن المواقع نفسها تقصف، والأحياء نفسها تمحى، والعائلات نفسها تفقد أفرادا.
الشجاعية، تلك التي كانت حي الصمود، صارت حي الرماد. ثم أعيد بناؤها جزئيا، ثم عادت رمادا.
جباليا، أكبر مخيمات اللاجئين، تحولت مرارا إلى أكبر مقبرة مفتوحة. الرمال، الزيتون، الدرج، خانيونس، رفح... أسماء تتكرر في نشرات الأخبار كأنها محطات في قطار دائري لا يتوقف عند محطة النهاية.
لكن التكرار هذا ليس طبيعيا، إنه منتج الحصار المستمر منذ 2007 يجعل إعادة الإعمار مستحيلة حقا. فكيف يعاد بناء بيت إذا كان الأسمنت محظورا، والحديد ممنوعا، والزجاج بندا تفاوضيًا؟ وكيف يُعاد بناء حياة إذا كان الاقتصاد معطلا بنسبة تتجاوز السبعين بالمئة، والبطالة تلتهم الشباب كما تلتهم النار الهشيم؟
التكرار إذن ليس قدرًا جغرافيًا، بل قرار سياسي متجدد، وهذا القرار يحتاج إلى نظارة تبصره، لكن النظارة مغشاة بغشاء سميك من التضليل.
كيف يُصاغ العمى؟
التضليل في عالمنا العربي والإسلامي ليس ككذبة صريحة، يبدو أنه في اغلب الاحيان حقيقة مبتورة، او حقيقة مفرغة من سياقها، أو حقيقة تعرض في إيقاع يوهم بالتكرار العادي حتى تصير المأساة خبرًا ثانيًا، ثم خبرًا عابرًا، ثم ليست بخبر على الإطلاق.
تضليل الكم.. عندما يعلن عن مقتل عشرين في غزة، يتناسى المتلقي أن وراء هذا الرقم عشرين قصة، وعشرين عائلة، وعشرين حلما لم يكتمل.
والأخطر حين يتكرر الرقم يوميا، يصير الكم نفسه مخدرا. فالعقل البشري يصاب بما يسمى إرهاق التعاطف، تتكرر المأساة، فيتكرر التعاطف، حتى ينضب التعاطف، فيصير المشهد طبيعيا، أو متوقعا، وبالتالي غير جدير بالاهتمام المستجد.
تضليل اللغة التي تستخدم المحايدة لتفرِّغ المأساة من مضمونها. فالقصف لا يكون قصفًا؛ بل عملية عسكرية، والقتلى لا يكونون مدنيين؛ بل أهدافا، والأطفال لا يكونون أطفالًا؛ بل درع بشري، وكأن التسمية تبرر الموت، وهذا التضليل اللغوي يمارس ليس فقط من قبل الإعلام الغربي، وأحيانًا من قبل اعلام عربي يتبنى المصطلحات نفسها خوفا من الاتهام بالتحيز، أو رغبة في موضوعية هي في حقيقتها موضوعية القوي ضد الضعيف.
تضليل الأولويات في اللحظة التي تقصف فيها غزة، يطلق هاشتاج (وَسْم) عن ازمة في مكان اخر، او فضيحة فنية، أو جدل رياضي. ليس لان هذه الاحداث لا تستحق التغطية، بل لأنها تستخدم كمنخفض اعلامي يجذب الاهتمام بعيدا عن المنخفض الأعمق.
والأخطر حين يصور الاهتمام بغزة على انه اهتمام احادي، او انحياز اعمى، فيصير التعاطف معها خطيئة تستوجب الاعتذار، بينما يصير الصمت عنها نضجا وموضوعية.
تضليل الذات هنا أخطر أنواع التضليل، وهو الذي يمارسه العالم الإسلامي والعربي على نفسه، حين يُقال: "نحن لا نستطيع فعل شيء، او الامر اكبر منا، أو السياسة معقدة". هذه ليست موضوعية؛ بل استسلام مبطَّن؛ فالعالم الاسلامي بملياري نسمة، وبموارده، وبمواقعه الجغرافية، وبتاريخه، ليس عاجزا بالضرورة؛ بل مصاب بعمى اختياري يريحه من واجب النظر.
العمى من الداخل
لماذا يختار العالم الإسلامي والعربي أحيانا أن لا يرى؟
طبعًا الاجابة ليست في الخيانة، ولا في التآمر المسبق. الاجابة في البنية النفسية للجماعة التي تعيش تحت ضغط مستمر. فحين تكون المأساة بعيدة جغرافيا، ومتكررة زمنيا، ومعقدة سياسيا، يصير عدم النظر إليه ألية دفاعية. فالنظر يستوجب الشعور، والشعور يستوجب الفعل، والفعل يستوجب التضحية، وهذا ثقيل على النفس البشرية.
لكن العمى الاختياري يتخذ اشكالًا اخرى أكثر دهاء مثل:
عمى التفكيك: النظر إلى غزة كقضية فلسطينية لا تعني الآخرين، فيفكك الارتباط الإنساني.
عمى التطبيع: التعامل مع الوضع كأمر واقع، فيصير الدمار جزءا من المشهد.
عمى الانتظار: فالانتظار السلبي لحل دولي او تدخل إلهي، وهو انتظار يلغي الوكالة الذاتية.
وهنا يتجلى التضليل في أقسى صورِهِ؛ حين يصبح العمى راحة، والرؤية عبئا، وحين يصير لا ادري مأوى، وادري محرقة.
شهادات على التكرار
إذا نظرنا إلى غزة من الداخل كفضاء إنساني وليس كرقم؛ فالطفل الذي يبلغ من العمر عشر سنوات في عام 2024، قد عاصر حرب 2008 ولم يتذكرها، وحرب 2014 يتذكرها كابن، وحرب 2021 سيذكرها كمراهق، وحرب 2023 سيكون كشاهد على الموت. هذا الطفل لم يعرف غير الحصار والحروب المتتالية.
بالنسبة له، المشهد المتكرر ليس حدثا، بل هو الحياة نفسها. هو لا يعرف السلام كمفهوم عملي، بل ككلمة تتردد في خطب لا تترجم.
شاب في الثلاثين من عمره يحمل شهادة جامعية لا تفيده، لأنَّ الجامعة قد دمرت، أو لأن سوق العمل غير موجود.
وهذه امرأة تعيد بناء بيتها للمرة الثالثة، وتعرف أنها ستعيد بناءه للمرة الرابعة. طبيب يعمل في مستشفى دُمِّر، ثم انتقل لمستشفى آخر دُمِّر، ثم عمل في خيمة طبية تحت القصف، ثم تم أسره.
هؤلاء لا ينتظرون الرحمة من العالم؛ بل ينتظرون أن يراهم العالم. لكن العالم!، وخاصة العالم الإسلامي والعربي، يختار أحيانا ألا يرى. أو أن يرى من بعيد، عبر شاشة، ثم يغلق الشاشة ويستمر في حياته.
وهذا الإغلاق هو التضليل الأخير؛ فالشاشة لا تعطيك المشهد كاملا، بل تعطيك إياه بترخيص مؤقت. أنت تشاهد، ثم توقف المشاهدة، فتوقف بشكل ما المسؤولية!
