حمود بن علي الطوقي
ليست هذه العبارة مُجرد لوحة عابرة وُضعت على جدار لتزيينه، بل هي ميثاق عمل ورسالة عميقة تستقبل الزائر منذ اللحظة الأولى في مبنى صندوق الحماية الاجتماعية.. إنها تأكيدٌ بليغ على أن جوهر العمل المؤسسي الحقيقي هو خدمة الإنسان، وأن قيمة أي صرح تُقاس بمدى نفعه للناس، وجودة ما يقدمه لهم من رعاية واهتمام واحترام. لقد جاءت هذه العبارة في مكانها الصحيح، لتربط البنيان بالمعنى، وتمنح المبنى بُعدًا إنسانيًا ينسجم مع الرسالة الوطنية السامية للصندوق.
وفي قلب هذا الصرح، تتجلى معاني الرؤية والقيادة عبر كلمات سامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- تتناول أهمية منظومة الحماية الاجتماعية ودورها في ترسيخ الاستقرار المجتمعي؛ وهي كلمات تمنح المكان هيبةً استثنائية، وتؤكد أن هذا الصرح ليس مجرد مبنى إداري، بل هو جزء من مشروع وطني كبير يضع الإنسان في قلب التنمية وغايتها الأولى.
كما يستحضر المكان عبق البدايات وعزيمة النهضة عبر الكلمة الخالدة للسلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- حين وعد بالعمل من أجل إسعاد المُواطن: "سأعمل بأسرع ما يمكن لجعلكم تعيشون سعداء لمستقبل أفضل"، وهي العبارة التي تجد امتدادها اليوم في هذا المبنى الذي سُخرت فيه التكنولوجيا لرفاهية الإنسان واختصار جهده.
إن الزائر لهذا المبنى يدرك فورًا أن مؤسساتنا الحكومية، على غرار ما شهدناه في وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، وهيئة الخدمات المالية، ووزارة الصحة، بدأت تنتهج ثقافة جديدة تربط جودة الخدمة بجودة المكان؛ فمبنى الصندوق يمثل هذا التوجه؛ حيث صُمِّمَ بعناية ليكون نموذجًا للمكاتب العصرية التي تدمج جمال التصميم بالكفاءة المؤسسية. ويبدأ هذا الاهتمام بالزائر قبل دخوله المبنى، عبر المداخل المتعددة والمواقف الواسعة التي خَصَّصت مساحات وقوف مُهيَّأة لكل فئة بحسب احتياجها؛ من كبار السن، والنساء، والأشخاص ذوي الإعاقة، وصولًا إلى مواقف شحن السيارات الكهربائية، في إشارة واضحة إلى أن "المراجع" هو المركز الذي تتمحور حوله كافة الخدمات.
ولم يقف الابتكار عند حدود التصميم؛ بل امتد لتقديم تجربة مراجع استثنائية من خلال أماكن تقديم خدمة صديقة لذوي الاحتياجات الخاصة وفقًا للمعايير المتعارف عليها؛ حيث تم توظيف التقنيات الإلكترونية والذكاء الاصطناعي عبر بوابات دخول ذكية، وروبوتات للخدمة الذاتية، وأجهزة المساعدة السمعية، التي سُخرت لتقديم دعم فوري وشامل. كما وفَّر الصندوق خدمة تخليص المعاملات عبر منفذ المركبة (Drive-thru) لضمان السرعة والراحة، بجانب صالات انتظار مزودة بخدمات ضيافة وقاعات تداول تراعي أعلى درجات الخصوصية، إلى جانب تخصيص قاعة لمناظرة الحالات المحالة إلى اللجان الطبية، صُمِّمَت بما يضمن الدقة المهنية والخصوصية الإنسانية في آنٍ واحد، لضمان أن يشعر كل مراجع بأنه في بيئة تُقدر وقته وخصوصيته.
وعلى صعيد الاستدامة والمسؤولية، يُقدِّم المبنى درسًا في الحفاظ على البيئة؛ عبر أنظمة ذكية لتقنين استهلاك المياه وإضاءة تعتمد على مستشعرات الحركة، مما يعكس وعيًا مؤسسيًا بالاستدامة. ويُتوج هذا التكامل بوجود مسرح متكامل يتسع لأكثر من 200 شخص، ليفتح آفاقًا للمشاركة المجتمعية واستضافة الفعاليات.
ولا تقف هذه المبادرات عند حدود التحسين التشغيلي أو الجمالي، بل تعكس بوضوح التوجه الاستراتيجي لصندوق الحماية الاجتماعية نحو بناء منظومة متكاملة تُعلي من كفاءة الخدمات، وتعزز تجربة المستفيد، وتدعم التحول الرقمي، وترسخ مبادئ العدالة والإنصاف في الوصول إلى المنافع. فكل تفصيلة في هذا المبنى- من تصميم المرافق، إلى توظيف التقنية، إلى مراعاة الفئات المختلفة- تمثل ترجمة عملية للتوجه الاستراتيجي للصندوق في تحقيق الاستدامة، ورفع جودة الحياة، وتعزيز الثقة المجتمعية، بما ينسجم مع الرؤية الوطنية الطموحة ويجسد دور الصندوق كممكن رئيسي للحماية والتمكين الاجتماعي.
إنَّ مبنى صندوق الحماية الاجتماعية هو نموذج حي لكيف يمكن للحجر أن يحمل رسالة، وللعمران أن يتحدث بلغة الإنسان؛ فمن يتأمل تفاصيل الجداريات التي تنشر رؤية ورسالة الصندوق والقيم المؤسسية في كل زاوية، يدرك أن عُمان تمضي بثبات في بناء مؤسسات تستلهم إرث الأمس، وتطوع ذكاء اليوم، لتصنع مستقبلًا أكثر جودة وازدهارًا للجميع.
