سياسات استباقية تضمن تنويع مصادر الاستيراد ورفع قدرات التخزين

مختصون لـ"الرؤية": المخزون الاستراتيجي من السلع "مطمئن".. وعُمان مكتفية ذاتيًا ببعض القطاعات

 

◄ الشحي: دور رقابي لـ"الشورى" للتأكد من رفع كفاءة المخزون والتنبؤ بالمخاطر

◄ سنطالب التجار بالإفصاح عن تكاليف وهوامش الربح لضبط أسعار السلع

◄ "الشورى" يرصد "تضخم الجشع" وحزمة أدوات رقابية لتعزيز الانضباط السعري

◄ التوترات في الممرات الحيوية تفرض ضغوطًا متزايدة على التجارة العالمية

◄ العزري: عُمان تُحرز مؤشرات متقدمة تعكس تطور منظومة الأمن الغذائي

◄ 146 % نسبة الاكتفاء الذاتي من الثروة السمكية

◄ عُمان تسعى لتحقق "الاكتفاء الذاتي النسبي المرن" كهدف استراتيجي

 

 

الرؤية- ريم الحامدية

 

أكد مختصون ومسؤولون أن المخزون الاستراتيجي العُماني مطمئن مع تحقيق اكتفاء ذاتي في بعض السلع، وشددوا في تصريحات خاصة لـ "الرؤية" على تسريع الاستثمار في الزراعة الذكية، وتطوير الموانئ كمنصات إمداد عالمية خارج مناطق التوتر، مع تفعيل أدوات رقابية صارمة لضمان انضباط الأسعار واستدامة الأمن الغذائي

وقال سعادة عبد الله بن أحمد آل مالك الشحي رئيس لجنة الأمن الغذائي والمائي بمجلس الشورى في تصريحات خاصة لـ"الرؤية" إن لجنة الأمن الغذائي والمائي بمجلس الشورى ترى أن المخزون الاستراتيجي في سلطنة عُمان في وضع مطمئن، نتيجة السياسات الاستباقية خلال السنوات الماضية، والتي شملت تنويع مصادر الاستيراد، ورفع قدرات التخزين للسلع الأساسية مثل القمح والأرز والوقود، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد.

 

لكن في المقابل، بيَّن الشحي أن استمرار التوترات في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر يفرض ضغوطًا متزايدة على منظومة التجارة العالمية، ما يجعل الاستقرار الحالي استقرارًا نسبيًا وليس مُطلقًا، حسب تعبيره.

خطط بديلة

وأضاف الشحي أن الخطط اللوجستية البديلة شهدت تطورًا واضحًا من خلال تعزيز استخدام الموانئ والمنافذ خارج مناطق التوتر، وتوسيع قاعدة الشراكات التجارية مع أسواق متنوعة، وتفعيل مسارات نقل بديلة برية وبحرية لدعم مرونة الإمداد. وتابع أن فعالية هذه الجهود تبقى مرتبطة بطبيعة ومدة الأزمة؛ إذ كلما طال أمد الاضطرابات، ازدادت الحاجة إلى رفع مستويات المخزون الاستراتيجي إلى هوامش أمان أعلى، وتسريع برامج تعزيز الأمن الغذائي والمائي والاكتفاء الذاتي النسبي، وتتحسين الجاهزية التشغيلية لإدارة الأزمات. ومن جانب رقابي، أكد الشحي أن مجلس الشورى يواصل متابعة هذه الملفات، مع التركيز على تعزيز التنسيق المؤسسي، ورفع كفاءة إدارة المخزون، وتبني التقنيات الحديثة في التنبؤ بالمخاطر وسلاسل الإمداد، مؤكدًا أن الوضع الحالي "مطمئن"، لكن البيئة الدولية المتقلبة تفرض نهجًا قائمًا على الاستعداد المستمر وليس الاطمئنان الدائم.

عبدالله الشحي.jpg
 

وفيما يتعلق بأسعار السلع الاستهلاكية محليًا، بيَّن الشحي أن من المهم الإقرار بأن تفسير ارتفاع الأسعار بعوامل خارجية فقط لم يعد كافيًا في بعض الحالات، خاصةً عندما تتجاوز الزيادات المحلية نظيراتها العالمية. وأوضح الشحي أن لجنة الأمن الغذائي والمائي بمجلس الشورى، تتعامل مع احتمال ما يعرف بـ"تضخم الجشع" كقضية تستوجب المتابعة، وأن هناك تواصلًا دائمًا مع المسؤولين في هذا الشأن، كاشفًا أن المجلس يدرس حزمة من الأدوات الرقابية والتشريعية التي سوف تُستخدم إذا ما دعت الحاجة إليها لتعزيز الانضباط السعري دون الإضرار ببيئة الأعمال.

وذكر الشحي أن من أبرز التوجهات المرتقبة: تعزيز الشفافية في التسعير والإفصاح عن التكاليف وهوامش الربح، وتطوير أدوات رصد الأسعار ومقارنتها بالمؤشرات العالمية، مع تشديد الرقابة على سلاسل الإمداد ومنع التشوُّهات الاحتكارية، وتحديث قوانين المنافسة ومنح الجهات المختصة صلاحيات أوسع، وتفعيل العقوبات الرادعة عند ثبوت رفع الأسعار غير المُبرَّر، مشددًا على أن الهدف ليس تقييد السوق، وإنما ضمان عدالة المنافسة وشفافية التسعير.

وفيما يتعلق بملف "توطين الإنتاج" وتقنيات تحلية المياه الاستراتيجية، وما إذا كان مجلس الشورى يرى ضرورة ضخ استثمارات استثنائية (طارئة) في القطاع الزراعي والمائي لتقليل الارتهان لتقلبات الشحن العالمي والمخاطر العسكرية، أكد الشحي أن سلطنة عُمان قطعت شوطًا مهمًا في توطين الإنتاج من خلال التوسع في الزراعة الحديثة كالبيوت المحمية والزراعة المائية وتعزيز الاستزراع السمكي، ما ساهم في رفع نسب الاكتفاء الذاتي لبعض السلع، وإن ظل التقدم متفاوتًا بين القطاعات. وفي ملف المياه، أوضح أن سلطنة عُمان أحرزت تقدمًا ملحوظًا في التوسع بمحطات التحلية باستخدام تقنيات مثل التناضح العكسي، مع توجه متزايد لرفع كفاءة التشغيل وربطها بالطاقة المتجددة، وهو ما يعزز الاستدامة على المدى الطويل.

متطلبات المرحلة

وأكد الشحي أن مجلس الشورى يرى أن المرحلة تتطلب: تسريع وتيرة الاستثمار بشكل استثنائي ولكن مدروس، يُركِّز على توسيع الإنتاج المحلي للسلع الأساسية ذات الأولوية، وتعزيز التقنيات الزراعية الذكية وترشيد استخدام المياه، وزيادة الترابط بين الإنتاج المحلي والمخزون الاستراتيجي. وأضاف الشحي "لا نتبنى هدف الاكتفاء الذاتي الكامل في كل السلع، بل نسعى إلى مقاربة متوازنة تجمع بين رفع الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الاستيراد، بما يقلل المخاطر ويعزز قدرة عُمان على الصمود أمام تقلبات الشحن والتحديات الجيوسياسية".

وفيما يتعلق بتوجه اللجنة للدفع نحو تسريع تحويل الموانئ العُمانية إلى منصات إمداد عالمية لتقليل الاعتماد على الممرات المتأثرة، وجاهزية البنية الأساسية الحالية لتكون صمام الأمان الذي يحمي السوق المحلي من ارتفاع أسعار الشحن الدولي، أكد الشحي أن، هناك توجه واضح تدعمه اللجنة لتسريع تحويل موانئ السلطنة، وخصوصًا ميناءي الدقم وصلالة، إلى منصات إمداد عالمية تستفيد من موقعها خارج مناطق الاختناق وتُقلِّل الاعتماد على الممرات المتأثرة بالتوترات. وقال إن هذه الموانئ تمتلك أساسًا قويًا من حيث البنية والموقع، لكنها تحتاج إلى التطوير لكي تكون قادرة على مواجهة تقلبات الشحن العالمي، موضحًا أن الوصول إلى هذا الدور يتطلب تسريع العمل على تعميق التكامل بين الموانئ والمناطق اللوجستية والصناعية، ورفع كفاءة العمليات وتقليل زمن وتكلفة المناولة، واستقطاب مزيدٍ من الخطوط الملاحية العالمية، وتوسيع قدرات التخزين وإعادة التصدير، مشددًا على أهمية سرعة التنفيذ وكفاءة التشغيل خلال المرحلة المقبلة.

مؤشرات متقدمة

من جهته، قال مسعود العزري مدير عام التسويق الزراعي والسمكي والمتحدث الرسمي باسم وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه- في تصريحات خاصة لـ"الرؤية"- إن سلطنة عُمان حققت خلال عام 2025 مؤشرات متقدمة تعكس تطور منظومة الأمن الغذائي؛ حيث سجل قطاع الثروة السمكية أعلى مستويات الاكتفاء الذاتي بنسبة 146%، وهو ما يؤكد قوة هذا القطاع وقدرته على تلبية الطلب المحلي والتوجه نحو التصدير. وأضاف أنه في جانب السلع الغذائية الأساسية، جاءت نسب الاكتفاء الذاتي على النحو التالي: التمور 99%، والحليب الطازج 96%، وبيض المائدة 95%، والخضراوات 79%، ولحوم الدواجن 64%، واللحوم الحمراء 46%، والفواكه (باستثناء التمور) 24%.

مسعود العزري.jpeg
 

وبيّن أن هذه الأرقام تعكس ما حققته السلطنة من مستويات اكتفاء مرتفعة في عدد من السلع الاستراتيجية، خاصةً التمور والألبان والبيض، وهي سلع أساسية ضمن السلة الغذائية في منظومة الأمن الغذائي، في حين لا تزال بعض السلع الأخرى ضمن نطاق الاكتفاء الجزئي، مع وجود خطط مستمرة لرفع نسب الإنتاج فيها. وأضاف العزري أنه على المستوى الاقتصادي، تجاوزت القيمة الاقتصادية الإجمالية للقطاع الغذائي حاجز المليار ريال عُماني، مع تسجيل نمو في الإنتاج الزراعي بنسبة 5.2%؛ ما يعكس توسع النشاط الإنتاجي وتحسن الكفاءة التشغيلية في القطاع. ولفت إلى وجود 35 مختبرًا لسلامة وجودة الغذاء على مستوى السلطنة؛ الأمر الذي يدعم منظومة الرقابة والجودة ويعزز ثقة السوق المحلي في المنتجات الوطنية. وأكد أن هذا التقدم تحقق بفضل حزمة من الإجراءات الاستراتيجية المتكاملة، تشمل: زيادة الإنتاج الغذائي المحلي عبر الاستثمارات الحكومية والقطاع الخاص، والتوسع في التقنيات الحديثة والزراعة الذكية لرفع الإنتاجية وتقليل استهلاك الموارد، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد وتقليل الفاقد الغذائي، وتطوير منظومة المخزون الاستراتيجي لضمان استقرار الإمدادات في حالات الأزمات، كما أن منظومة المخزون الاستراتيجي والاحتياطي الغذائي تشهدان تطورًا مستمرًا؛ حيث يبلغ عدد المخازن 48 مخزنًا موزعة على مختلف المحافظات؛ بما يعزز جاهزية الدولة لضمان استقرار الإمدادات. وأكد العزري أن الهدف الاستراتيجي يتمثل في ترسيخ أمن غذائي مستدام قائم على "الاكتفاء الذاتي النسبي المرن"، الذي يوازن بين تعزيز الإنتاج المحلي والحفاظ على استقرار الإمدادات في جميع الظروف.

وأكد العزري أن وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه تتعامل مع موضوع ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج ضمن إطار الأمن الغذائي بوصفه جزءًا من الأمن الاقتصادي الوطني، وبما يهدف إلى الحفاظ على استمرارية الإنتاج واستقرار الأسعار في السوق المحلي، وفي هذا السياق، تعمل الوزارة على مسارات متوازية أولها دعم واستدامة الإنتاج، وذلك من خلال برامج التمويل والدعم التي تُمكِّن المزارعين والصيادين من الاستمرار في الإنتاج، وتخفيف أثر ارتفاع تكاليف المدخلات عليهم، بما يَحِد من انتقال هذا الأثر إلى المستهلك النهائي.

رفع كفاءة الإنتاج

وأضاف أن الوزارة تحرص على رفع كفاءة الإنتاج وتقليل التكلفة التشغيلية، من خلال التوسع في استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة والأنشطة السمكية، وتحسين إدارة الموارد مثل المياه والأعلاف، إلى جانب تعزيز مرونة سلاسل الإمداد من خلال تطوير البنية اللوجستية وتحسين عمليات النقل والتخزين والتسويق، بما يقلل من الفاقد ويحد من أثر تقلبات الشحن الخارجي على توفر السلع في السوق المحلي، كما يتم العمل على تقليل الاعتماد على بعض المدخلات المستوردة من خلال دعم البدائل المحلية والتصنيع المرتبط بالقطاعين الزراعي والسمكي، بما يعزز استقرار منظومة الإمداد.

وأضاف العزري في ظل تحديات التغير المناخي وشح المياه، تتبنى وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه الزراعة الذكية كخيار استراتيجي لتعزيز الأمن الغذائي، وقد بدأت السلطنة بالفعل في تطبيق حزمة متقدمة من التقنيات الحديثة، وتشمل: الزراعة بدون تربة (الهيدروبونيك)، والزراعة الهوائية (الأيروبونيك)، وأنظمة الري الذكي المعتمدة على الحساسات، واستخدام الطائرات المسيّرة في مراقبة المحاصيل ومكافحة الآفات، وتقنيات الزراعة الدقيقة المعتمدة على تحليل البيانات المناخية والجغرافية، إلى جانب التوجه نحو التحول الرقمي في الزراعة، بما يسهم في رفع كفاءة الإنتاج، وتقليل استهلاك المياه، وتحسين جودة المحاصيل، مع التوسع في استخدام الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية في تشغيل الأنظمة الزراعية.

وفي جانب الاستثمار، أوضح العزري أنه يجري العمل على تطوير مشاريع زراعية متكاملة، من أبرزها المدن الزراعية في نجد وصحم، والتي تمثل نماذج تطبيقية متقدمة تجمع بين البيوت المحمية والزراعة المغلقة عالية الكفاءة والزراعة في الحقل المفتوح، وتقنيات الإنتاج بدون تربة (الهيدروبونيك والأيروبونيك)، وأنظمة إنتاج مستدامة منخفضة الاستهلاك المائي، وتكامل سلاسل القيمة من الإنتاج إلى التعبئة والتخزين والتصنيع. وشدد على أن الوزارة تطمح إلى الانتقال لنموذج زراعي ذكي متكامل قائم على المعرفة والتقنية، وقادر على التكيف مع التغيرات المناخية، وتعزيز مرونة القطاع الزراعي، وضمان الأمن الغذائي على المدى الطويل.

وفيما يتعلق بمنظومة السدود، أوضح العزري أن سلطنة عُمان تمتلك بنية أساسية متقدمة نسبيًا من السدود التخزينية وسدود التغذية الجوفية، والتي تؤدي دورًا محوريًا في تعزيز المخزون المائي، خاصةً في فترات الأمطار. وأوضح أنه على المدى المتوسط والبعيد، تعمل الوزارة على تعزيز مفهوم "الاستدامة المائية" من خلال التوسع في إعادة استخدام المياه المُجدَّدة في الزراعة، ودعم مشاريع حصاد المياه، وتشجيع التحول نحو محاصيل أقل استهلاكًا للمياه وأكثر ملاءمة للبيئة المحلية.

وأوضح العزري أن الفاقد الغذائي وسلاسل الإمداد عوامل مهمة، ولهذا تعمل وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه بالتكامل مع جهات حكومية وخاصة على تطوير منظومة لوجستية زراعية متقدمة. وفيما يتعلق بإنشاء مناطق لوجستية قرب الموانئ، أكد أن هناك توجهًا استراتيجيًا لتعزيز هذا الجانب، خاصة في مواقع محورية مثل ميناءي الدقم وصلالة، نظرًا لدورهما كمراكز ربط إقليمية ودولية، وتستهدف هذه المناطق اللوجستية، إنشاء مخازن تبريد وتجميد بسعات كبيرة وفق معايير عالمية، و تقليل الفاقد الغذائي الناتج عن التأخير أو سوء التخزين، وتحسين كفاءة توزيع المنتجات الزراعية والسمكية داخل السلطنة، و دعم استقرار الأسعار عبر تقليل التقلبات المرتبطة بالإمدادات، كما يجري العمل على تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص للاستثمار في مراكز التجميع والفرز وسلاسل التبريد، وتطوير منظومة النقل المبرد بين المحافظات، وربط هذه المراكز بالأسواق المركزية لضمان سرعة وصول المنتجات.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z