عائض الأحمد
في بعض المساءات، لا نلتقي لنبقى… بل لنتعلّم كيف نغادر.
دعوتُكِ ذات مساءٍ، فامتدّ الحديث حتى أشرقت شمسُ الصباح؛ جدلًا خاض في كلّ شيء، وتناسى كلّ شيء، حتى فقدتُ ملامحي، وأعياني السهر.
هنا أدركتُ أن من يحمل أحلامًا تفوق من حوله، قد يخسر جولاته كلّها… لا ضعفًا، بل لأنه يقاتل وحده.
يقول حكيم مجلسنا: لا تطلب الكثير فيأتيك القليل، ولا تزن الأمور بميزانك؛ فللآخرين موازين أخرى. وهذه إحدى المعضلات التي نقع فيها حين نُسقط توقّعاتنا على الآخرين، فنرى في تقصيرهم خذلانًا، وهو في حقيقته اختلاف لا أكثر.
أحلامك المباحة قد يُقصيها عابد في صومعته، أو حاضن في مقعده، أو حبيب تنتظر منه الكثير… فيجود بفتاتٍ لم تعهده فيه، ولم يكن عهدًا قطعه على نفسه.
حين كانت تتوق إلى رضاك، وتثير الأرض والسماء بحثًا عن لحظاتٍ تسير إليها منتشية، ناصبةً طولها؛ قدماها في الأرض وجسدها طائر يحوم في حماك، دون خوف من عاذل… كنت تظن أن ذلك الامتداد لن ينقطع، وأن المسافة بينكما أقصر من أن تُفقد.
لكنّ الوعي يأتي متأخرًا…
ولذلك، لم أعد ألوم أحدًا، ولا أنتظر اكتمال أحد. أدركتُ أن بعض المساءات لم تكن لنا أصلًا، وأن ما ظننّاه لقاءً لم يكن إلا عبورًا مؤقتًا في طريق كان يجب أن أقطعه وحدي.
ومع ذلك، ليس لي أن أُقصيها؛ فما كان عشقًا محال أن يموت، ولو سُقي دمًا. سيظل أيقونة طفولتي، وعربون وفائي؛ أذود عنه وإن أعياني، أدعو عليه في الصباح… وأدعوه في المساء. يشبه هتانًا، لا يجود بكل شيء؛ قليلُه مباح، وكثيرُه حرام.
لها: أحببتكِ بطريقتي، لكنني أدركت أن ما أريده ليس ما تريدينه… ولهذا لن أُتعبنا أكثر.
شيءٌ من ذاته: من جعل حياته مطيّةً لمحبّيه، فلا خوف يُقصيه، ولا ألم يُنهيه.
نقد: نحن لا نخسر لأن الآخرين لا يفهموننا، بل لأننا نُصرّ أن يُشبهونا. نحمّلهم ما لم يعدونا به، ثم نغضب حين لا يكونون نحن.
