مدرين المكتومية
نعيش في هذه الحياة مُحمَّلين بالكثير من الأمنيات والاهتمامات، كل منَّا يُريد شيئاً وإضافة لحياته، كل منا يحلُم ان يجد نفسه في مكان ما دون حاجته لمعرفة السبب، كل منا لديه في هذه الحياة طريقته الخاصة في قضاء وقته، لكننا قد نتفق اكثرنا على ان اكتشاف شيء جديد والبحث عن شيء مختلف هو ما يضيف لها الاثارة والسعي، ومن بين هذه التجارب المغرية هي السفر؛ حيث التحليق عاليًا كطائرٍ يبدأ اولى رحلاته في الطيران.
بين الفينة والأخرى، نبدأ رحلة جديدة نحو آفاق مختلفة بالنسبة له، هذا ما يشعر بها المرء عندما يصعد الطائرة ويجلس في مقعده بجانب النافذة يرى كل شيء يصغر وهو يعلو حتى يصل السحاب. هذه البداية التي كانت فيها لحظة الوصول إلى ألمانيا في هذه المرة على غير العادة، ليس لأنها زيارة لمكان جديد؛ بل لأنها جاءت محمله بالكثير من الفضول العميق لفهم هذا البلد الرائع الذي لا يتوقف عن إدهاشي دائمًا.
مع كل خطوة يتجدد لدي ذلك الشعور المميز الممزوج بالكثير من الانبهار الهادئ والجميل محمل بالسؤال المستمر الذي لا يتوقف، وهو كيف يفكرون هؤلاء الناس؟ وكيف يمكنهم النجاح دائما في تحويل تلك التفاصيل الصغيرة إلى تجربة استثنائية متكاملة لا يمكن نسيانها.
سعادتي لا تتوقف بدعوتهم لي سنويًا لحضور فعاليات معرض سوق السفر الالماني، الذي يمثل أحد أبرز المنصات العالمية في قطاع السياحة التي تعني لألمانيا الكثير وتهتم بها بالدرجة الأولى. وأن يكون الصحفي العُماني جزءًا من هذا الحدث العالمي، فإنها تمثل فرصة رائعة للتعايش مع الحياة اليومية والتجربة السياحية الفريدة من نوعها في هذا البلد الأوروبي الساحر، وتتسنى لي الفرصة للتواجد داخل قلب صناعة السياحة الألمانية التي لا تُشبه أي سياحة أخرى.
الامر لا يرتبط فقط بالتجارب المتنوعة أو ارتياد الفنادق والتسوق وتجربة الأطعمة اللذيذة، وإنما يتخطى ذلك ليكون الزائر جزءًا اساسيًا من منظومة متكاملة وفريدة؛ حيث تُبنى الأفكار والرؤى وتناقش فيها التحديات والفرص، وتُصاغ معها الشراكات الفاعلة والحيوية؛ ففي وسط هذا الحضور الدولي الكبير والواسع، شعرتُ بأنني أمام نموذج حي لكيفية إدارة قطاع سياحي متكامل يتسم بالحرفية العالية والرؤى طويلة المدى.
إن ما يلفت الانتباه في التجربة الألمانية ليس فقط الأرقام، رغم أنها مذهلة وذات إيرادات كبيرة بلغت 78.5 مليار يورو في سنة 2025 وحدها؛ بل الفلسفة التي تقف خلفها وتقوم عليها؛ إذ إن جمهورية ألمانيا الاتحادية- هذا البلد الجميل- لا يروِِّج لـ"وجهة" وحسب؛ بل يجعلك تختبر تجربة متكاملة ذات طابع مميز وفريد، تبدأ من وضوح الهوية ورؤية الهدف، وجودة في الخدمات وتنوع مدروس يُلبِّي مختلف التوجهات والأذواق، وينتهي بذكرى سعيدة وخالدة تفرض عليك تكرارها. خلال زياراتي لألمانيا كل عام، أتحركُ بين صخب المدن والطبيعة الهادئة، وأنتقل من دور الثقافة والمتاحف إلى المطابخ المحلية ذات الجودة والذوق والتنوع، وكل عنصر من العناصر يبدو وكأنه جزءًا من قصة واحدة متناسقة تبهر من يعيشها.
وما يُبهرني فعلًا قدرة الألمان العالية على التكيف والصمود في ظل التحديات العالمية التي يعيشها العالم، وتحولات أنماط السفر في ظل التغيرات الجيوسياسية التي لم تسبب أي تراجع في أعداد الزوار إلى ألمانيا؛ بل ساعدتها كثيرًا على إعادة ترتيب أولوياتها، التي جعلتها تركز بالدرجة الأولى على السياحة الترفيهية، وعملت جاهدة واستثمرت في التحول الرقمي، واستخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقديم تجارب أكثر تخصيصًا؛ فهذه المرونة ليست صدفة أبدًا، ولكن امتداد ونتيجة لتخطيط مستمر يتسم بالعمق والفهم الدقيق للسوق.
ومن هنا.. فإن السؤال الذي يتبادر لذهني والأهم: ماذا يمكن أن نتعلم ونستفيد من هذه التجربة في عُمان؟!
في الحقيقة نحن لدينا مقومات استثنائية وثقافة غنية ومميزة، وتنوع طبيعي خلّاب، وهوية أصيلة نعتز بها دائمًا، لكن التجربة الألمانية تُذكِّرنا بأن النجاح لا يعتمد فقط على الموارد بقدر ما يعتمد على الكيفية التي تُدار بها هذه الموارد، ونحن بحاجة للعمل على سرد قصتنا السياحية بشكل أوضح وأسلوب أجمل وأدوات أكثر تكاملية، مع العمل على ربط عناصر التجربة بعضها ببعض، ومزيد من الاستثمار في التسويق الذكي والتقنيات الحديثة التي لا يمكن تجاهلها أبدًا، في ظل الثورة المعرفية السريعة من حولنا، مع الحفاظ على أصالتنا التي تميزنا عن غيرنا بالتأكيد.
إنَّني في كل مرة أزور فيها ألمانيا، أعود بإجابة بسيطة جدًا، ثم أكتشفُ مع الوقت أن الاسئلة تزداد عددًا، وربما في الاصل هذا هو سِرّها الحقيقي؛ أنها لا تتوقف عن التطور والتقدم ولا تكتفي بما حققته وأنجزته، وهذا بالضبط ما يجعل ألمانيا وجهةً لا تُلهم الزائر وحسب، لكن أيضًا تدفعه للتفكير والتساؤل حول الكيفية التي يمكن أن نصنع منها نحن أيضًا قصة نجاحنا الخاصة؛ لأن عُمان تستحق!
