الاقتصاد الإداري.. مدخل لتحقيق رؤية "عُمان 2040"

 

 

 

أ.د. هشام البحيري **

 

اشتُق مصطلح الاقتصاد من الكلمة اليونانية (Oikonomikos)، ويمكن تجزئة هذه الكلمة إلى جزئين هما: "Okos" وتعني المنازل، و"Nomikos" وتعني إدارة.

وبناءً على هذا، فإنَّ المقصود بمفهوم الاقتصاد في العصور القديمة هو مصطلح "إدارة المنزل"؛ حيث يقوم رب الأسرة بإدارة احتياجات الأسرة من خلال دخله المحدود. وبعد ذلك، تعددت التعريفات التي قدمها الكتاب والباحثون والممارسون لمعنى الاقتصاد؛ فالبعض يرى أن الاقتصاد هو دراسة المال، والبعض الآخر يرى أن الاقتصاد هو مُعالجة بعض القضايا المُهمة مثل التضخم والبطالة، وغيرها.

وتستطيع- عزيزي القارئ- من خلال مناقشة العديد من وجهات النظر التالية، أن تفهم المعنى الحقيقي لعلم الاقتصاد، ومنها: وجهة النظر الكلاسيكية للاقتصاد، ووجهة نظر الرفاهية، ووجهة نظر الندرة، ووجهة نظر النمو.

لكن ما نود التركيز عليه الآن، أن الاقتصاد يُقسَّم إلى نوعين: الاقتصاد الجزئي، والاقتصاد الكُلي.

والاقتصاد الجزئي يُركِّز على دراسة سلوك الأفراد والمؤسسات في السوق، إلى جانب دراسة العرض والطلب والإنتاج في المنظمات الصغيرة والكبيرة والمشروعات الفردية.

أمَّا الاقتصاد الكلي؛ فهو الذي يُركِّز على القضايا المتعلقة بالاقتصاد القومي مثل: الدخل القومي، والتضخم، والركود الاقتصادي، والكساد التضخمي، والنمو الاقتصادي، والبطالة.

وظهر حديثًا نوعٌ فريدٌ في علم الاقتصاد، هو الاقتصاد الإداري، وهو فرع متخصص من فروع علم الاقتصاد يُركِّز على دراسة وتطبيق مختلف المفاهيم الاقتصادية بغرض مساعدة المديرين في عمليات صنع القرارات الرشيدة. كما ينظر إليه على أنه "التكامل بين النظريات الاقتصادية والممارسات الإدارية بغرض تفعيل عمليات اتخاذ القرارات والتخطيط الجيد لمستقبل المنظمات والدول". كما ينظر إليه على أنه " تطبيق المبادئ الاقتصادية في عمليات صناعة القرارات داخل المنظمات بغرض تأسيس مجموعة من المبادئ والقواعد التي تساعد في تحقيق الأهداف المنشودة". وأخيرًا يمكن النظر للاقتصاد الإداري على أنه "العلم الذي يطبق المبادئ الاقتصادية في تحليل الإشكاليات التنظيمية بغرض إيجاد حلول لها".

ونستنتج من خلال التعريفات السابقة ما يلي:

* أن الاقتصاد الإداري هو حلقة وصل بين تخصصين أو علمين هما الإدارة والاقتصاد.

* أن الاقتصاد هو تخصص فريد في علم الاقتصاد يمكن استخدامه في تحسين عمليات صناعة القرارات في المنظمات.

* أن الاقتصاد الإداري يسعى لإيجاد عدد من المبادئ والأدوات المرشدة للمديرين أثناء صناعة القرارات.

أما نطاق الاقتصاد الإداري فيستهدف تطبيق العديد من الأدوات والمبادئ والمناهج الاقتصادية في تحليل المشاكل التنظيمية؛ سواء كانت مرتبطة بالطلب أو العرض أو مستوى الإنتاج أو تسعير المنتجات ودراسة متطلبات العملاء والجودة وهيكل ودرجة المنافسة.

ونستعرض فيما يلي بشكل تفصيلي نطاق الاقتصاد الإداري:

1.    تحليل الطلب والتنبؤ به.

2.    تحليل ومراقبة التكلفة ومقارنتها بالعائد على الاستثمار و(المنافع المحققة).

3.    قرارات وطرق واستراتيجيات التسعير.

4.    توليد وتعظيم الأرباح.

5.    إدارة رأس المال العامل.

6.    اقتصاديات الولاء.

7.    العائد الاقتصادي لبرامج الجودة.

كل هذه النقاط السبعة، تُعد من الأمور الجوهرية لتحقيق رؤية "عُمان 2040"؛ لأن الطريق نحو تنفيذ هذه الرؤية يحتاج لكل نقطة من هذه النقاط، كما أنه يحتاج إلى الاستثمار في سواعد العُمانيين، والعمل على تطوير وتمتين قدراتهم لتنفيذ كل نقطة من هذه النقاط السبع بشكل احترافي.

ولقد استفاد علم الاقتصاد الإداري من العديد من العلوم من أهمها:

1.    علم الاقتصاد.

2.    علم الاقتصاد القياسي.

3.    علم الإدارة.

4.    علم الرياضيات.

5.    علم الإحصاء.

6.    علم التمويل والمحاسبة.

7.    علم السلوك التنظيمي.

8.    علم الجودة.

9.    علم التسويق.

10.  علم القرار.

إنني أدعو من خلال هذا المقال، كافة القائمين على التعليم في سلطنة عُمان، إلى ضرورة الاهتمام بتضمين ذلك العلم الجديد- علم الاقتصاد الإداري- ضمن المقررات الدراسية في مراحل الدراسة المختلفة سواء في مراحل دراسة البكالوريوس أو مراحل دراسة الماجستير، لما له من أثر بالغ في إعداد كوادر عُمانية وطنية قادرة على إدارة الاقتصاد العُماني بشكل احترافي.

كما أدعو المسؤولين عن برامج إعداد القادة، وكذا المسؤولين عن تصميم البرامج التدريبية في كافة أنحاء السلطنة إلى ضرورة عقد أكثر من برامج تعريفي بالاقتصاد الإداري لما له من أهمية بالغة. كما أن نقاط الاستفادة من الاقتصاد الإداري لا تقف على المسؤولين الحكوميين فقط، بل ينبغي أن يستفيد منه كافة القيادات في المؤسسات الخاصة ومؤسسات الأعمال العُمانية لما له من انعكاس كبير على عمليات صناعة القرارات.

وهناك العديد من النقاط التي يمكننا أن نذكرها فيما يلي لتلخيص أهمية "الاقتصاد الإداري"؛ حيث إنه:

1.    يدعم عمليات صناعة القرارات في مختلف أنواع المنظمات.

2.    يساعد في اختيار أفضل البدائل ومسارات العمل.

3.    يدعم المديرين أثناء عمليات التنبؤ بالطلب والعرض ودراسة مختلف أنواع التكاليف سواء مباشرة أو غير مباشرة، وتحديد المنفعة الحدية للمنتجات وعلاج المشاكل المؤسسية واقتراح حلول لها.

4.    يساعد في تشخيص مختلف العوامل والظروف البيئية الداخلية والخارجية.

5.    يساعد في تصميم ووضع سياسات واستراتيجيات التسعير وفقًا لمنطق علمي يساعد في تحديد طبيعة العلاقات بين مختلف العوامل الاقتصادية مثل الدخل والأرباح والخسائر وهيكل السوق.

وأقترحُ إفساح المجال نحو تصميم وظيفة جديدة تحمل مسمى "خبير اقتصاد إداري"، يمكن أن تُلحق تلك الوظيفة بالهياكل التنظيمية في كافة المؤسسات العُمانية، عامة كانت أم خاصة، ويمكنني أن أساعد الراغبين في أي مؤسسة عُمانية في تصميم تلك الوظيفة من خلال سرد أهم أدوار ووظائف خبير الاقتصاد الإداري في المؤسسات العُمانية، وذلك بسبب أن الاقتصاد الإداري يؤدي دورًا مهمًا للغاية من خلال مساعدة الإدارة في استخدام المهارات المتخصصة بشكل متزايد ويساعدها في توفير مجموعة من التقنيات المتطورة المطلوبة لحل المشكلات الصعبة واتخاذ القرارات الناجحة والتخطيط المستقبلي. كما إنه في مجال الأعمال التجارية، أصبحت أهمية الاقتصاد الإداري معروفة كثيرًا اليوم. وخاصة في الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث توظف الكثير من المنظمات الكبيرة واحدًا أو أكثر من الاقتصاديين الإداريين.

وإذا ما تطرقنا إلى أبرز أدوار ومسؤوليات مسؤول الاقتصادي الإداري المقترح توظيفه في المؤسسات العُمانية؛ فهي:

أولًا: القيام بالدراسات البيئية للمنظمات بغرض تحليل وتوقع بيئة العمل والمناخ الاقتصادي. ويحدد في هذا الصدد:

أ‌-     النظرة المستقبلية للاقتصاد الوطني على كل المستويات (المحلي والإقليمي والدٌولي).

ب‌-   طبيعة مرحلة دورة الأعمال.

ت‌-   التغيرات السكانية في السلطنة وما ينجم عنها من صعود وهبوط في القوة الشرائية الإقليمية؛

ث‌-   آفاق الطلب في الأسواق الجديدة وكذلك القائمة.

ج‌-   تأثير التغيرات في السلوك الاجتماعي والموضات،

ح‌-   المجالات التي من المرجح أن تتوسع فيها المبيعات حسب طبيعة السوق وأيهما من المحتمل أن تتقلص أكثر وبسرعة.

خ‌-   دراسة التشريعات المتعلقة بتشغيل المصانع في الدول الخارجية.

د‌-    مدى توافر الائتمان وتكلفته.

ذ‌-    أسعار المواد الخام والمنتجات النهائية.

ر‌-    طبيعة المنافسة.

ز‌-    المساهمة في إعداد ومراجعة الخطط طويلة الأجل

ثانيًا: المساهمة في تطوير الأعمال التجارية وتحسين بيئة العمل الداخلية في السلطنة من خلال:

أ‌-     المساهمة في صياغة استراتيجيات التسعير.

ب‌-   دراسة الإنفاق الاستهلاكي وكيف يؤثر على تكاليف المنظمة.

ت‌-   تحليل مستوى المبيعات والأرباح.

ث‌-   تحليل الفاقد والتالف في العمليات الإنتاجية.

ج‌-   دراسة الاستثمار ومدى الحاجة للتوسع أو الانكماش.

ح‌-   تحديد موازنات المبيعات والأرباح المعقولة خلال الأعوام القادمة.

خ‌-   تحليل جداول الإنتاج وسياسات المخزون الأكثر ملاءمة للأعوام القادمة.

د‌-    تحليل التغييرات في سياسات الأجور والأسعار والتوصية بشأنها.

ذ‌-    تحليل موقف السيولة المتوقع توافرها مع تقديم التوصية بسبل استثمارها والتعامل معها في المستقبل.

أما عن طبيعة وظيفة الاقتصادي الإداري، فيمكننا استعراض مجموعة الوظائف التالية:

1.    التنبؤ بالمبيعات.

2.    القيام بأبحاث السوق الصناعية.

3.    التحليل الاقتصادي للمنظمات المتنافسة.

4.    تحليل مشاكل التسعير في الصناعة.

5.    تطوير برامج الإنتاج.

6.    تحليل واختيار الاستثمار.

7.    تقديم المشورة بشأن التجارة والعلاقات العامة.

8.    تقديم المشورة بشأن المواد الأولية وأسعار الصرف.

9.    تحليل أسباب التخلف الاقتصادي.

10. التنبؤ البيئي.

وإضافة لمجموعة الوظائف السابقة، يمكن لخبير الاقتصاد الإداري أن يفيد المنظمات التي يعمل بها من خلال تمتعه بميزة (الذكاء الاقتصادي Economic Intelligence) والتي يستطيع من خلال هذه الميزة أن:

1.    يقوم بوظيفة الاستخبارات الاقتصادية، بمعنى تزويد الإدارة بالمعلومات الاقتصادية ذات الاهتمام العام مثل أسعار المنافسين ومنتجاتهم، وقوتهم الاقتصادية، ورؤيتهم للمستقبل.

2.    التنبؤ بالتعديلات في القوانين والأنظمة الاقتصادية داخل الدولة.

3.    المشاركة في المؤتمرات والندوات العلمية التي تنظمها الدولة وهيئاتها المختلفة فيما يخص قضايا البيئة والاستدامة، وهذا يحسن صورة المنظمة التي يعمل بها الخبير الاقتصادي، ويظهرها بمظهر المنظمة التي تتحمل مسؤولياتها الاجتماعية.

4.    المساهمة في إعداد خطط التنمية الشاملة.

5.    إعداد التقارير الاقتصادية بشكل دوري.

6.    إحاطة إدارة المنظمة بكافة التطورات الاقتصادية في القطاع التي تعمل فيه.

** أستاذ إدارة الأعمال بجامعتي القاهرة والبريمي، وخبير التطوير الشخصي والمؤسسي، ومستشار التمتين الإداري

الأكثر قراءة

z