ورد الجبل الأخضر.. إرث عُماني يفوح بجمال لا يُضاهى

 

"ورد الجبل" يُرسِّخ المكانة التراثية والسياحية للجبل الأخضر

400 متسابق في "مسار الورد" لاستكشاف الطبيعة الجبلية الساحرة

الصقري: أسرار التقطير والقطف نتوارثها جيلًا بعد جيل

الدمج بين الحرفة التراثية والتقنيات الحديثة يرتقي بمعايير الإنتاج

محدودية الموارد اللوجستية وارتفاع التكاليف وموسمية الإنتاج أبرز التحديات

العميرية: نبذل جهدًا كبيرًا لإتمام الدورة الزراعية في بيئة جبلية صعبة

مطالب بتقديم دعم تسويقي لضمان استدامة الإنتاج والمحافظة على التنافسية

ماء الورد يُدر عائدًا اقتصاديًا لمُزارعي الجبل ينافس الرمان

 

 

الرؤية- ريم الحامدية

شهد موسم الورد بولاية الجبل الأخضر بمحافظة الداخلية إقبالًا متزايدًا من الزوار، مُرسِّخًا مكانته كأحد أبرز المواسم السياحية في سلطنة عُمان؛ لما يزخر به من مقومات طبيعية فريدة وموروث ثقافي مُتجذِّر يُسهم في تنشيط الحركة السياحية ودعم الاقتصاد المحلي.

ويمثل الموسم رافدًا اقتصاديًّا مهمًّا؛ حيث يساعد على تمكين الأسر المُنتِجة وتنشيط الصناعات التقليدية المرتبطة بالورد الجبلي، وفي مقدمتها إنتاج ماء الورد والصابون والزيوت العطرية، ما يوفر مصادر دخل مستدامة ويعزز قطاع ريادة الأعمال. ويمتد موسم الورد من منتصف مارس حتى منتصف أواخر شهر مايو من كل عام، ويُعزز الحركة السياحية خلال النصف الأول من العام ويدعم الطلب على الخدمات المرتبطة بالقطاع السياحي.

وتشير التقديرات إلى أن عدد أشجار الورد المزروعة في الجبل الأخضر يبلغ نحو 6 آلاف شجرة، بإنتاج سنوي يقارب 30 ألف لتر من ماء الورد، وبقيمة سوقية تُقدَّر بحوالي 210 آلاف ريال عُماني، ما يُبرز الأهمية الاقتصادية المتنامية لهذا القطاع الزراعي المرتبط بالموروث الثقافي.

وأظهرت البيانات الاخيرة الصادرة من المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أن عدد زوار ولاية الجبل الأخضر خلال العام الماضي 2025، بلغ 222 ألفًا و151 زائرًا، مقارنة مع 203 آلاف و629 زائرًا خلال الفترة نفسها من العام 2024م مسجلًا ارتفاعًا بنسبة 9.1 في المائة.

ويتضمن موسم ربيع الورد لهذا العام، الذي تُنظِّمه محافظة الداخلية بالشراكة مع عدد من المؤسسات العامة والخاصة، حزمةً من الفعاليات المتنوعة، أبرزها "مسار الورد" بين القرى الذي يربط عددًا من القرى الزراعية بمشاركة نحو 400 متسابق، في تجربة تجمع بين الرياضة والسياحة واستكشاف الطبيعة الجبلية.

ويشمل الموسم تنظيم حلقة علمية متخصصة تستعرض آفاق تطوير قطاع الورد والنباتات العطرية في سلطنة عُمان، إلى جانب مناقشة فرص الاستثمار والتصدير والتقنيات الحديثة في التقطير، إضافة إلى برامج توعوية وتعليمية موجهة للأطفال والأسر لتعزيز الوعي البيئي والزراعي بأساليب تفاعلية.

ويحرص أهالي الجبل الأخضر على الحفاظ على زراعة الورد الجبلي وتوارُث تقنيات إنتاجه التقليدية جيلًا بعد جيل، لما تمثله هذه الزراعة من قيمة اقتصادية وثقافية تسهم في ترسيخ الهوية المحلية وتعزيز مكانة الولاية كوجهة سياحية متميزة على مدار العام.

وقال المهندس حمدان الصقري، الشريك المؤسس في شركة الفواح للعطريات المميزة، إن الشركة تنطلق من إيمان عميق بأن سر الجودة يبدأ من الجذور، مؤكدًا أن الصنعة التي ورثوها عن الأجداد في الجبل الأخضر تمثل الأساس، خصوصًا في فهم توقيت القطف، وطريقة التعامل مع الورد، وأسرار التقطير التقليدي.

وبيّن الصقري أنهم قاموا بتوظيف التقنيات الحديثة في تقطير الورد والتحكم بدرجات الحرارة والضغط لضمان ثبات الجودة ورفع كفاءة الإنتاج، مشيرًا إلى أن هذا الدمج بين التراث والتقنية مكّنهم من الحفاظ على الهوية العطرية الأصيلة، مع تقديم منتج بمعايير عالمية مثبتة في المختبرات من خلال الفحوصات والشهادات المعتمدة.

وعن معايير اختيار الورد، أوضح الصقري أن الشركة تركز بشكل أساسي على اختيار بتلات الورد الجبلي في ذروة نضجها؛ حيث تكون نسبة الزيوت العطرية في أعلى مستوياتها، ويتم القطف في ساعات الصباح الباكر للحفاظ على نقاء الرائحة بحيث تكون طازجة. وشدد على حرصهم على سرعة إدخال وتخزين الورد إلى عملية التقطير في ظروف خاصة، واستخدام تقنيات استخلاص تُحافظ على المكونات العطرية الحساسة، إضافة إلى تخزين المنتجات في ظروف مدروسة لضمان ثبات الرائحة لفترات طويلة.

وبلغة الأرقام، أشار الصقري إلى أن استهلاكهم اليومي من الورد الخام خلال شهر إبريل يصل إلى ما يقارب 70 كيلوجرامًا يوميًا حسب كثافة الموسم، بينما تبلغ القدرة الإنتاجية السنوية حوالي 3000 لتر من ماء الورد وكمية كبيرة من الزيوت العطرية، مع قابلية التوسع لتلبية الطلب المتزايد محليًا وخارجيًا.

وعن التحديات، ذكر الصقري أن أبرز ما يواجههم في الجبل الأخضر هو محدودية الموارد اللوجستية، وارتفاع تكاليف النقل، وموسمية الإنتاج، إضافة إلى شُح المياه وتكلفة استصلاح الأراضي، لافتًا إلى الحاجة لدعم أكبر في مجالات التسويق والتصدير.

واختتم المهندس حمدان الصقري حديثه مؤكدًا أن مصنع "فوّاح" يعمل على تطوير منتجات عطرية مبتكرة تمزج بين الورد الجبلي ومكونات طبيعية عُمانية، بهدف بناء علامة تجارية تعكس هوية الجبل الأخضر وعُمان لتصبح مرادفًا عالميًا للجودة، مشددًا على أن المنتج العُماني هو قصة مكان وهوية يسعون لنقلها من قمم الجبل إلى العالم.

من جانبه قالت شفيقة العميرية، المؤسس التنفيذي لشركة "شذى الجبل الأخضر"، إن إدارة المزرعة تمُر بدورة زراعية دقيقة تبدأ بفترة تعطيش الأشجار (التوقف عن الري) خلال شهري نوفمبر وديسمبر، لتبدأ بعدها مباشرة عمليات التقليم والتسميد في شهر يناير من كل عام، وذلك لضمان تهيئة الأشجار للوصول إلى ذروة التزهير.

وحول الجدوى الاقتصادية، أوضحت العميرية أنه مع ارتفاع تكاليف الأيدي العاملة ومصادر الري، فإن زراعة الورد باتت تتطلب جهدًا وعناءً كبيرين، مشيرةً إلى أن الأسعار الحالية للمنتجات تعتبر أقل من مستوى الجهد المبذول في هذه البيئة الجبلية الصعبة، ومع ذلك، أكدت على أهمية الاستمرار في هذه الزراعة للحفاظ على هذا الموروث الشعبي القديم.

وعن مرحلة المعالجة والتقطير، بينت المؤسس التنفيذي لشركة شذى الجبل الأخضر أنهم يجمعون بين الأصالة والحداثة؛ حيث يتم استخدام "الدهجان" (المقطر التقليدي) لما يمنحه للمنتج من رائحة أصيلة ومميزة يفضلها المستهلك، بينما يتم توظيف الأجهزة الحديثة في صناعة مستحضرات التجميل والعناية بالجسم لرفع الكفاءة وتنويع الإنتاج.

وكشفت شفيقة العميرية أن المزرعة تضم حاليًا 50 شتلة ورد، ويصل متوسط الإنتاج اليومي في فترة الذروة إلى حوالي 10 كيلوجرامات من الورد الخام، مؤكدة أن نسبة الهدر الناتجة عن الظروف المناخية تمثل نسبة بسيطة، بينما يبلغ العائد السنوي المتوقع من الإنتاج المُوجَّه للسوق المحلي حوالي 100 لتر من ماء الورد.

واستعرضت العميرية أبرز التحديات والتطلعات، مُشدِّدةً على حاجة المستثمرين في هذا القطاع لتعزيز الدعم من قبل الجهات المعنية، وتوفير التقنيات الحديثة التي تساهم في تطوير العمل، إضافة إلى تقديم الدعم التسويقي اللازم للمنتج لضمان بقاء مزرعة الورد مشروعًا مستدامًا وقادرًا على المنافسة.

 

أمَّا المواطن سرحان الصقري فقد تحدث لـ"الرؤية" قال إن الأجيال بولاية الجبل الأخضر تعاقبت على استخلاص ماء الورد جيلًا بعد جيل، وذلك للاستمرار في مهنة استخلاص ماء الورد وما له من عائد مادي للأسرة بالجبل الأخضر. وأضاف: "لا يزال الأهالي مستمرين في الحفاظ على هذا الإرث العريق والذي تشتهر به الولاية، ومع التغيرات الحديثة للمصانع المنتجة للعطور إلّا أن هناك الكثير وغالبيتهم من يفضل الاستمرار في طريقة الاستخلاص التقليدية، ولها الأكثر شيوعًا وطلبًا لمستهلكيها".

وبالحديث عن العائد الاقتصادي، أكد الصقري أن ماء الورد يُدِر عائدًا اقتصاديًا للمزارعين بالجبل الأخضر ينافس منتجات الرمان، بفضل زيادة الطلب على استخداماته المتنوعة، كما تشهد ولاية الجبل الأخضر في السنوات الأخيرة زخمًا كبيرًا من الزائرين والسياح من مختلف محافظات وولايات السلطنة وكذلك الدول المجاورة، مما جعل ذلك في زيادة الطلب.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z