◄ اللواتي: تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ضروري لتعزيز قدرتها على الاستمرار
◄ الشيدي: لا بد من وجود دراسات جدوى حقيقية لدى صاحب المشروع للحصول على التمويل
◄ العاصمي: المرحلة الحالية تتطلب تشريعات مرنة تدعم توجهات تقديم القروض الميسّرة
◄ مقترح بربط آلية سداد القروض بإيرادات المشروع بدلا من الأقساط الثابتة
◄ نجاح المشاريع يعتمد على فهم التحديات الحقيقية التي قد تؤدي إلى تعثرها أو إغلاقها
◄ سوء توظيف مبالغ التمويل يتسبب في فشل المشروع
الرؤية- سارة العبرية
أجمع عدد من المختصين بأن واقع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يشهد تداخلًا بين التحديات والفرص، في ظل جهود حكومية ومصرفية متواصلة لتعزيز دور هذا القطاع الحيوي في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040".
وأوضحوا -في تصريحات لـ"الرؤية"- أنه في الوقت الذي تواجه فيه بعض المؤسسات صعوبات تمويلية وتسويقية أثَّرت على استمراريتها، تتواصل المبادرات التمويلية والتشريعية لتوفير بيئة أكثر تمكينًا واستدامة، بما يسهم في تحفيز النمو الاقتصادي، وتعزيز ريادة الأعمال، وخلق فرص عمل جديدة.
وقال الدكتور حيدر بن عبد الرضا اللواتي، الكاتب المتخصص في الشؤون الاقتصادية، إن بعض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في البلاد واجهت خلال السنوات الماضية تحديات تجارية وتسويقية مختلفة، الأمر الذي أدى إلى تعثر بعضها وعدم قدرتها على وفاء المديونية المترتبة عليها للمؤسسات المصرفية والمالية، وفي المقابل تواصل المؤسسات الحكومية والتنموية والبنوك التجارية تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لتخطي هذه التحديات، لكي تتمكن من تحقيق النجاح.

وأوضح اللواتي أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في جميع دول العالم، ومنها سلطنة عُمان، تعد أحد أهم محركات النمو الاقتصادي، ويُعد التمويل المصرفي المقدم لها من البنوك التجارية وبنك التنمية العُماني والمؤسسات الأخرى عنصرًا أساسيًا في تعزيز قدرتها على الاستمرار والتوسع، كما يشكّل هذا التمويل أداة استراتيجية لتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، خاصة في مجالات التنويع الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتعزيز دور القطاع الخاص في التنمية المستدامة.
وذكر اللواتي أن المؤشرات المحلية المتاحة تشير إلى استمرار توسّع البرامج التمويلية التنموية لهذه المؤسسات، مع إطلاق مبادرات تشغيلية وتحسين برامج الإقراض ضمن أكثر من 55 مبادرة تطويرية لتعزيز استمرارية البرامج التمويلية ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، حيث يوفر بنك التنمية العُماني لهذه المؤسسات تمويلًا تنمويًا مباشرًا بفوائد مخفضة تصل في حدود 3%، وفترات سماح مناسبة لمشروعات هذه المؤسسات ضمن برامج التمويل المتخصصة.
وتابع قائلًا: "بيانات بنك التنمية العُماني للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة تشير إلى أن إدارة البنك وافقت على تمويل 3,716 قرضًا بقيمة 110 ملايين ريال عُماني خلال النصف الأول من العام الماضي 2025، كما أطلق برامج تمويل إضافية بقيمة 37 مليون ريال عُماني لدعم رواد الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة خلال نفس العام، وبلغت محفظة تمويل المؤسسات الصغيرة بنهاية سبتمبر 2025 أكثر من 100 مليون ريال عماني، كما تشير المؤشرات التشغيلية إلى استمرار البنك في نفس مسار التوسع التمويلي ضمن برامج رؤية "عُمان 2040"، بحيث يتم توفير ما بين 110 و130 مليون ريال عماني تقريبًا للنصف الأول من العام الحالي لتمويل قطاعات التصنيع، والخدمات المهنية، والثروة السمكية، والزراعة، والثروة الحيوانية، والتعدين، وتعكس هذه السياسة التمويلية تحقيق الأمن الغذائي والتصنيع والتنويع الاقتصادي".
وأضاف اللواتي: "كما خصص صندوق "إنماء" -صندوق تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة- حوالي 25 مليون ريال عُماني لعام 2025 لتمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، الأمر الذي يتكامل مع تسهيلات وقروض بنك التنمية والبنوك التجارية في البلاد، وبالنسبة لقيمة القروض التي قدمتها البنوك التجارية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في عُمان خلال العام الماضي، فإن حجم الائتمان المصرفي الإجمالي بلغ نحو 34.5 مليار ريال عُماني حتى سبتمبر 2025، فيما تصل نسبة تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة حوالي 3.7% من إجمالي محفظة القروض المصرفية، ويهدف البنك المركزي العُماني إلى وصول هذه النسبة إلى 5% خلال المرحلة المقبلة، وبالتالي فإن التمويل التقريبي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة يبلغ 1.27 مليار ريال عُماني ضمن محفظة البنوك التجارية في 2025".
وبيّن اللواتي: وكما نعلم فإن أهداف القروض الموجهة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة عبر بنك التنمية والبنوك التجارية تخدم عدة أهداف استراتيجية ضمن رؤية "عُمان 2040"، أهمها تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، باعتبار أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تعد ركيزة أساسية لتنويع الاقتصاد وتعزيز القطاعات غير النفطية، بالإضافة إلى دعم ريادة الأعمال والتشغيل المرتبطة مباشرة بخلق فرص العمل وإعادة تشغيل المسرحين والباحثين عن العمل من الشباب، كما أن من ضمن أهداف ذلك زيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي، وتعزيز القيمة المحلية المضافة، ودعم الابتكار والتحول الاقتصادي، خاصة التمويل الموجه لمشاريع التقنية، والصناعات الخفيفة، واللوجستيات، والأمن الغذائي، والسياحة، والاقتصاد الأخضر، التي تعد جميعها قطاعات مستهدفة ضمن رؤية "عُمان 2040".
من جهته، قال أحمد بن سيف الشيدي، رجل أعمال، إن تقديم تسهيلات على القروض الموجهة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة أمر جيد، خاصة المؤسسات متناهية الصغر التي تمثل العمود الفقري لأي اقتصاد حديث، لما لها من دور في خلق الوظائف ودعم الابتكار وتعزيز القطاع الحكومي، مبينًا أن هذه التسهيلات، إذا كانت مدروسة بشكل جيد، ستُسهم في تحفيز النمو الاقتصادي وزيادة السيولة وتنشيط الإنتاج وخلق فرص عمل، فضلًا عن تشجيع رواد الأعمال على بدء مشاريعهم بدلًا من انتظار الوظائف، خاصة لدى الباحثين عن عمل، إلى جانب أن التمويل يمكن أن يدعم قطاعات متنوعة مثل السياحة والتقنيات الصحية، بما يضيف قيمة اقتصادية حقيقية.

ولفت الشيدي إلى وجود تحديات جوهرية، أبرزها سهولة منح القروض دون ضمان توجيهها لمشاريع مستدامة، مؤكدًا أهمية وجود دراسات جدوى حقيقية وغير شكلية، تُعد بالشراكة بين الجهة الممولة وصاحب المشروع، لضمان فهم جميع تفاصيل المشروع وتفادي تحول القرض إلى عبء مالي، مضيفًا أنه توجد مشكلة تتمثل في غياب المتابعة بعد منح التمويل، وأن كثيرًا من المستفيدين لا يتلقون أي إشراف أو إرشاد أو تدريب يسهم في نجاح المشاريع، داعيًا إلى توفير منظومة دعم تشمل الاستشارات والتوجيه والرقابة.
وتحدث الشيدي عن سوء استخدام بعض القروض في غير أماكنها، مثل توجيهها لأغراض شخصية، أو منح تمويلات تفوق احتياجات المشروع الفعلية، مستشهدًا بحالات جرى فيها منح مبالغ كبيرة لمشاريع صغيرة لا تتطلب هذا الحجم من التمويل.
وأكد الشيدي أن نجاح سياسات تسهيل القروض مرهون بتوفر شروط أساسية، من بينها ربط التمويل بدراسات جدوى دقيقة، وتقديم فترات سماح مناسبة، وتوفير فوائد منخفضة ومدعومة، إضافة إلى اعتماد آلية سداد مرنة ترتبط بإيرادات المشروع بدلًا من الأقساط الثابتة، مشددًا على أهمية إلزام المستفيدين ببرامج تدريبية وإرشادية، إذ إن بيئة الأعمال تواجه تحديات أخرى مثل الرسوم الحكومية والتعقيدات وضعف السوق، التي قد تُفاجئ رواد الأعمال بتكاليف غير متوقعة تؤثر سلبًا على استدامة مشاريعهم.
وفي السياق، قال الدكتور محمد بن خلفان العاصمي، الأمين العام المساعد لشؤون الجلسات بمجلس الشورى: "إن الإطار التشريعي -مهما بلغت جودته- يظل بحاجة إلى تطوير مستمر؛ نظرًا لتغير الاحتياجات وتبدل الأوضاع الاقتصادية والمالية، والمرحلة الحالية تتطلب تشريعات مرنة وقادرة على مواكبة المتغيرات، بما في ذلك دعم توجهات تقديم القروض المُيّسرة، في ظل وجود جهود حكومية ومخصصات مالية مستمرة لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مع بقاء النتائج مرهونة بحركة السوق ومدى نجاح رواد الأعمال".

وأوضح أن مجلس الشورى يضطلع بدور مستمر في مراجعة وتحديث التشريعات؛ حيث قدم، ولا يزال يقدم، العديد من المقترحات المتعلقة بتبسيط الإجراءات ومعالجة التحديات التي تواجه رواد الأعمال، بالتنسيق مع الجهات الحكومية، بهدف تذليل الصعوبات وإيجاد حلول عملية.
وأشار العاصمي إلى أن المجلس يتابع أداء القطاع المصرفي فيما يتعلق بتقديم التسهيلات، من خلال أدوات رقابية يمارسها الأعضاء، وبالتعاون مع جهات مثل البنك المركزي العُماني، وهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة "ريادة"، ووزارة الاقتصاد، وغيرها، لافتًا إلى أن المجلس لعب دورًا مهمًا خلال "جائحة كورونا"، من خلال دعم قرارات تأجيل الأقساط والإعفاءات والتخفيف من الأعباء على المشاريع المتعثرة، في ظل تراجع النشاط الاقتصادي آنذاك.
وفيما يتعلق بالتحديات التي تواجه رواد الأعمال، شدد العاصمي على أهمية تحليل الواقع بشكل موضوعي، موضحًا أن الإشكاليات لا تقتصر على نقص التمويل، وإنما تشمل عوامل أخرى مثل شدة المنافسة، وضعف الخبرة، وقلة التدريب، وغياب الخطط الواضحة، إضافة إلى تأثيرات الانكماش الاقتصادي. وأضاف أن بعض التحديات تبدأ من مرحلة تأسيس المشروع، كضعف دراسات الجدوى أو تغير ظروف السوق، مما يستدعي دراسة دقيقة وشاملة لهذه التحديات.
وأكد أن التمويل متوفر بشكل عام، وأن السياسات التمويلية واضحة إلى حد ما، إلا أن نجاح المشاريع يعتمد على فهم التحديات الحقيقية التي قد تؤدي إلى تعثرها أو إغلاقها.
كما أشار العاصمي إلى أن القطاع المصرفي يعمل وفق معادلة الربح والخسارة، لكنه في الوقت ذاته يتحمل مسؤولية مجتمعية تفرض عليه دعم رواد الأعمال، من خلال تقديم تسهيلات وتعزيز التنافسية بين البنوك، موضحًا أن تنشيط الاقتصاد يتطلب سياسات تمويلية مرنة تسهم في تدوير رأس المال، مع ضرورة وجود ديناميكية واضحة في السوق، إلى جانب أهمية أن يمتلك رواد الأعمال خططًا مدروسة وفهمًا دقيقًا للسوق، وضرورة منح المشاريع فترات سماح أطول وتمكينها من الوقوف على أقدامها، مع أهمية النظر في خفض أسعار الفائدة على القروض المقدمة من البنوك التجارية.
