فول وقصب (10)

 

مُزنة المسافر

مكثت دلولة على الشرفة فترة أطول، والريح تداعب شعرها الذهبي، وهنا نظرت نحو النجمات، وفكرت إنْ كان من نجمة تُخبرها كيف هو حال الأراجوز؟ في عقلها تذكرته جيدًا، وراح فكرها بمشوار للقائهم الأول.

كيف كان؟ كان هو يغمز بعينه لها، ويكسر خجله المعهود، ويقرع أجراس الجرأة لأن الحُب سكن نفسه بدقة.

وهي في دواخلها نادته حبيبي ألف مرة.

وجال في ذهنها، أين هو حبيبي في هذه اللحظة؟

الأراجوز الحبيب، مشغول بلعب الشطرنج مع عوض النسناس، يواجه بقطعه الحية في الرقعة، هذه المرة الملك!

الأراجوز: كِشْ ملك!

عوض: ليه كده بس يا أراجوز؟

الأراجوز: أتغدى بيك قبل ما تتعشا بيا.

عوض: طب خد دي، إيه رأيك فيا وأنا واكل الملكة بتاعتك؟

نظر الأراجوز للملكة الواقفة بهدوء على رقعة الشطرنج، كيف لشخص ما أن يسحب منه هذا الوجود، الوجود لملكة بجانبه، ملكة تحمل إحساسه العميق ومشاعره الجياشة، وتصون فؤاده المصون.

وأين ملكته تلك التي يحبها بشدة؟ وهل شَيَّد وسط قلبها أكبر قلعة؟

كان ينام في الماضي، مُطمئنًا أنها لن تذهب من فؤاده، ومن الشرفة، لكنه صار يقلق، يفكر إن كانت محاطة بالمعجبين، والسائلين لقربها، ولرقة شعورها، حين تقول:

دلولة: بتحب إيه يا أراجوز؟

الأراجوز: بحب … بحب..

هل يضيف حرف الكاف، لتكون "بحبك أوي"، أم يقول:

الأراجوز: بحب الدنيا، عشان إنتي بتحبيها!

وعد نفسه أن يرى الدنيا، كما رأتها دلولة ألف مرة في الماضي، وشعرت بالملل منها، لأنها دنيا كبيرة، عريضة، مريحة وخطيرة في آنٍ واحد، يشتاق الأراجوز لدلولة، لكنه يأبى أن يخبرها أنه يعمل في سيرك مليء بالخناقات، وبالمشاكل الكثيرة، وأن البهلوان قد صار فجأة، معلمًا على الجميع يحكم ناس السيرك كلهم.

لقد قطع جاكيتة عوض النسناس، قطع سترته بشكل مريب وبمقص غريب، وأظهر سكينة صغيرة أمام الجميع، وقال لهم إن مالك السيرك سلَّمه الخيط والمخيط، وأن السيرك يحكمه السي البهلوان، الباشا أبو العنفوان، وأن من يعارضه سيكون في وضع غير مضمون، وقد يكون طموحه هنا مدفون في أقرب بدرون.

تناقش عوض النسناس حول قساوة البهلوان، وحيله في تدمير النفوس، وتحطيم الرؤوس التي يجلس عليها أي طرطور أو طربوش.

والمقصد هنا أن حياة عوض النسناس والأراجوز في خطر، وأن عوض صار ضعيفًا في عواطفه، يشتاق لوالدته شوقية في البلد، ويحن للمحاشي وللطبخ اللذيذ، وأنه بات مريضًا في السيرك، يصعب عليه أن يأكل وهو يتوجع من الظلم والقهر.

وقرر عوض أن يتصل بوالدته من هاتف عمومي، بجانبه الأراجوز يضع النقود في حفرة صغيرة في جسد الكبينة، وحين تأكد عوض أن الهاتف به حرارة جيدة تكفي أن توصل الخطوط والقلوب في أي مكان في الجمهورية، تكلم وقال:

عوض: أمَّا! أمَّا! إزيك يامَّا؟

شوقية: إزيك يا عوض يا بني، عامل إيه؟

وهنا بكى عوض، اشتاق وحنَّ للبلد وللناس في البلد، وتذكر عوض هذه الأغنية وغنى:

عوض: على بالي.. على بالي.. ابن بلدي، على بالي.

ألف لا تهجر بلدك وتسيبنا، بلدك بيك أولى.

وأكملها الأراجوز: عارفها الأغنية بتاعت عايدة الأيوبي.

فين تلاقي الضحكة الحلوة… ضحكة من القلب والعين سوا.

فين تلاقي العيون سودا… جمالهم غنوة والكلام عنهم حقيقة.

حقيقة مُرة أم حقيقة حلوة، قد تغلف الأيام القادمة، حين يعود الأراجوز، ويقرر فعلًا العودة، لدلولة ملكة قلبه، وعمي رجب، وشكشك، والحي كله، ربما أحدٌ ينتظره هناك، من يدري؟!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z