استراتيجية إيران واستغلال ثنائية الجغرافيا والوقت

 

 

 

سعيد بن عبدالله البيماني

 

في المواجهات العسكرية غالبًا ما يؤدي عامل القوة دورًا أساسيًا في حسم الصراع، إلا أن هناك عوامل ردع استراتيجي تنتج من تداخل الجغرافيا مع السياسة، ويكون لها ثقلٌ في ترجيح كفة طرف على آخر، مثل: التضاريس، والوقت، والأرض، وآلية التخطيط، وعملية صنع القرار، والتحالفات الضمنية؛ فالحرب ليست فقط مواجهة مباشرة بين جيوش، بقدر ما هي تحدٍ بين منظومات.

تأتي ردة الفعل الإيرانية كمثالٍ حي للنموذج الذي يستمد قوته من عوامل عدة تمنحه القدرة على الصمود، بالإضافة إلى النفس الطويل لصانع القرار الإيراني عند التعامل مع الخصوم، سواءً في السلم أو عند نشوب الخلافات واندلاع الصراعات؛ حيث تراهن طهران على استراتيجية الاستنزاف السياسي والاقتصادي. ويأتي المشهد الحالي، الذي أفرغه الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي المشترك على إيران في نهاية فبراير الماضي، وأعقبه رد إيراني من خلال مجموعة من الأعمال العسكرية استهدفت مصالح الولايات المتحدة وأراضيَ خليجيةً، إضافةً إلى العمق الإسرائيلي، كواجهة للعقيدة القتالية الإيرانية وهندسة الصراع التي تركز على جملة من الاستراتيجيات تُربك الخصوم وتجعل إطالة أمد الصراع مكلفًا وفي غاية الصعوبة. فما الذي فعلته إيران لتستطيع الصمود؟

 

دائرة صنع القرار الإيراني

أولًا: عكس ما يعتقده البعض من مركزية في صنع القرار الإيراني، تنتهج إيران عقيدة استراتيجية يُطلق عليها "الدفاع الفسيفسائي"، من خلال توزيع القيادات بحيث تمتلك كل منها القدرة على القتال بمفردها دون مرجعية مركزية، مع وجود بدائل لكل منصب إداري. وهذا ما جعل من المستحيل شل النظام من خلال استهداف المرشد الأعلى أو القادة البارزين في دائرة صنع القرار، مع المحافظة على شبكة اتصال بين مختلف القيادات والوحدات.

ثانيًا: أثبتت إيران بأنها، منذ الثورة، جاهزة لجميع السيناريوهات، وأكثر جاهزية بعد الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي المشترك في حرب الاثني عشر يومًا في يونيو 2025، وأنها مستعدة لحرب طويلة الأمد لا تستوجب الحسم السريع، وقادرةً على إنهاك الخصوم وتحويل الحرب إلى عبءٍ سياسي واقتصادي للطرف المقابل.

ثالثًا: توسيع دائرة الصراع إقليميًا من خلال القيام بهجمات متزامنة على عدة جبهات، شملت قواعد أمريكية في المنطقة ومنشآت خليجية حيوية، وتهديد الملاحة من خلال إغلاق مضيق هرمز، وهو الأمر الذي سبب إرباكًا شديدًا لأسعار الطاقة والاقتصاد العالمي ككل؛ حيث حولت إيران الحرب إلى أزمة، ليس فقط إقليمية، بل دولية.

هذه الاستراتيجية قد يكون لها عدة تفاسير من المنظور الإيراني، وهي نابعة من الدروس المستفادة من جملة من السياقات التاريخية؛ حيث شهدت إيران حربي أفغانستان 2001 والعراق 2003، وبالتالي انكشفت لها الاستراتيجيات العسكرية للولايات المتحدة، كما أنها استفادت من حرب إسرائيل البرية مع حزب الله في 2006، ناهيك عن التوغل الإيراني في الشأن السوري، وكذلك حرب 7 أكتوبر 2023 بين حماس وإسرائيل، والمواجهة بين جماعة أنصار الله في اليمن من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى.

رابعًا: تُركّز إيران على استراتيجية الحرب غير المتكافئة، كونها الأضعف عسكريًا في مواجهة خصومها الحاليين، من خلال استغلال قدراتها الصاروخية والمسيّرات للقيام بهجمات مرنة ومتزامنة، أضعفت بذلك قدرة رد الدفاعات الجوية المضادة.

خامسًا: استخدمت إيران أذرعها/حلفاءها في المنطقة من خلال نشاط جماعة أنصار الله "الحوثي" في اليمن، وحزب الله في لبنان، وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، وحماس في غزة؛ مما فتح جبهات أمامية متعددة، على الأقل لإسرائيل، الأمر الذي منح إيران مزيدًا من المرونة وإدراكًا بأن البقاء أهم من التفوق. وأثبتت العقيدة القتالية الإيرانية قدرةً على الصمود بدل الحسم، من خلال زيادة المشهد تعقيدًا واستنزاف الخصوم دون تحقيق النصر الصريح بالضرورة.

من هنا ندرك أن الكفة رُجحت لصالح إيران في المقام الأول، ولمصلحة إسرائيل جزئيًا، ولم تخدم مصالح الولايات المتحدة لعدة أسباب، منها: تمتلك إيران عاملي الأرض والتضاريس، التي تجعل من فكرة غزوها بريًا أمرًا في غاية التعقيد، من خلال سلاسل جبال زاجروس في الجنوب والغرب، وجبال البرز في الشمال؛ حيث تُشكّل حواجز طبيعية بها ممرات ضيقة يسهل الدفاع عنها، الأمر الذي يمنح المدافعين أفضلية تعبوية.

وتتمركز في وسط إيران كذلك صحاري دشت كوير ودشت لوت، مع درجات حرارة عالية في الصيف وطبيعةٍ تجعل الحركة فيها صعبة، مما يعيق استمرارية سلاسل الإمداد وحركة وقدرة الآليات الثقيلة على التقدم. هذه التضاريس تمنح إيران القدرة على تركيز دفاعها على مناطق اختناق تجعل الغزو البري بطيئًا ومكلفًا وذا مخاطر كثيرة، حتى وإن لم يكن مستحيلًا. ورغم أنها تتشارك مع إسرائيل الخبرة القتالية التي تؤكد عليها المدرسة الواقعية عند استخدام القوة العسكرية للوصول إلى الغايات، إلّا أن إيران تبدو أكثر قدرة على الصمود وإطالة أمد الحرب من خلال ما تملكه من قوة بشرية ومساحة جغرافية واسعة للمناورة، وكذلك أذرع مختلفة كجماعة أنصار الله الحوثي في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان، وحماس في غزة، وهي قادرة على تعزيز الموقف الإيراني عسكريًا من خلال إرباك الحسابات وتطويق المعابر المائية كمضيق باب المندب.

 

تفوق إيراني أم جوانب قصور لدى الخصوم؟

مع أن إسرائيل تمتلك الخبرة القتالية والترسانة العسكرية، إلّا أنها تفتقر إلى العمق الاستراتيجي، وتعمل في محيط ملتهب مستشعرةً الخطر من كل الجوانب، بالإضافة إلى السخط العالمي الذي أصابها منذ اعتداءاتها في حرب السابع من أكتوبر، والمعارضة الداخلية لتوجه اليمين المتطرف، والخلل الديموغرافي الذي تعانيه، وازدياد حدة الهجرة العكسية. ورغم ما تلقته إيران من ضربات، استطاعت أن تكسر الهيمنة الإسرائيلية واختراق القبة الحديدية من خلال استهداف مناطق حيوية في العمق الاستراتيجي، كبعض مراكز القيادة والسيطرة، وأنظمة الدفاع الجوي، ومحطات الكهرباء، ومنشآت الطاقة، والموانئ؛ مما أدى إلى تراجع النشاط الاقتصادي والاستثمار، وتعطل قطاعات كثيرة كالسياحة والطيران والتجارة التي تعتبر روافد للاقتصاد الإسرائيلي، ناهيك عن استنزاف قدرات الدفاع الجوي وإضعاف الجاهزية العسكرية، وهو الأمر الذي سبب إيلامًا لإسرائيل، وضغطًا اقتصاديًا وإرباكًا للحياة اليومية، وضغطًا شعبيًا على السكان بسبب الإنذارات اليومية المتكررة، والاضطرار للبقاء في الملاجئ، وبالتالي تراجع الشعور بالأمان. أضف إلى ذلك زيادة الضغوط الدولية لوقف التصعيد، وتعقيد العلاقات مع بعض الدول، وتآكل الصورة النمطية للتفوق الإسرائيلي العسكري المطلق؛ حيث قوضت نتائج المواجهة الكثير من قدرة إسرائيل على إدامة الصراع، مما حدا بها لقبول وقف إطلاق النار، وربما بإيعاز من الولايات المتحدة.

يجدر القول هنا إن المظلة الدفاعية الجوية الإيرانية تبقى الحلقة الأضعف في قدرة إيران على مواجهة إسرائيل، وهذا يُعزى إلى جملة العقوبات التي تُطوّق إيران وتمنعها من شراء منظومات دفاع جوي متطورة، إضافةً إلى المساحة الشاسعة لإيران التي تستوجب أعدادًا هائلة من منظومات الدفاع الجوي ومنصات الإطلاق، وهو الأمر الذي ينطبق على القوات البحرية الإيرانية؛ حيث تبقى في حالة انكشاف أمام الخصم.

قد تكون الولايات المتحدة أبرز الخاسرين لعدة اعتبارات منها: أنها لم تمتلك هدفًا استراتيجيًا لشن الحرب، ووجدت نفسها متورطةً في صراع غير محسوب لها ولا لحلفائها في منطقة الخليج العربي؛ الأمر الذي لم يترجم أية توجهات واضحة إلى نصر صريح؛ حيث تزايد الجدل في الداخل الأمريكي حول مشروعية وجدوى الحرب، وخلق انقسامًا سياسيًا وضغطًا من الرأي العام، مع صعوبة تحقيق نتائج حاسمة في ظل الاستنزاف الطويل وعدم قدرة الإدارة الأمريكية على إدارة ملفات لا تقل شأنًا في آسيا وأوروبا، ناهيك عن اضطراب العلاقات مع حلفاء تقليديين في أوروبا وفي منطقة الخليج العربي.

يدرك كذلك دافع الضرائب الأمريكي تداعيات كلفة التشغيل المرتفعة للحرب، مع نشر قوات ومعدات على مناطق شاسعة، وتأثير تلك التداعيات على أسعار الطاقة وما تسببه من إرباك وارتفاع في سعر السلع. ورغم أن الولايات المتحدة لم تتكبد خسائر على أرضها، إلّا أن استهداف إيران لمصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة دفع بها لقبول وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة الحوار، بالإضافة إلى المعارضة الشديدة للحرب داخل دائرة صنع القرار الأمريكي، وهو الأمر الذي أدى إلى إقالة العديد من القادة العسكريين ذوي الخبرة القتالية الطويلة؛ لأن إيران أدركت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية وذهبت أبعد من ذلك، من خلال وضع اشتراطاتٍ للقبول بوقف إطلاق النار والعودة للمفاوضات، منها ربط المفاوضات بالشأن اللبناني واشتراط مستوى من التمثيل للوفد الأمريكي المفاوض.

 

استراتيجية إيران وأمن الخليج العربي

يُلقي الصراع الإقليمي الحالي في محيط الخليج العربي بظلاله على الأمن في المنطقة، إلّا أنه يبعث رسائل عدة في إدارة الأزمات واستراتيجيات المواجهة، منها أنه لا يمكن للقوة أن تكون معيارًا للتفوق على حساب الجغرافيا والوقت، وأن القدرة على تحويل المواجهة إلى معادلةٍ لاستنزاف الخصوم كفيلةٌ بإعادة تشكيل موازين القوى دون الحاجة إلى تحقيق نصر صريح وحاسم، كما أن التفوق العسكري لديه حدوده وجوانب قصوره في وجه الجغرافيا السياسية؛ حيث لا يمكنه تحقيق الأهداف في ظل بيئة معقدة ومتشابكة تنقل المعركة من الميدان إلى الداخل السياسي والاقتصادي، الذي بدوره يجلب تحديات أخرى تضاف إلى تكلفة الحرب.

هذا النصر الضمني -إلى الآن- لإيران يبعث برسائل عدة إلى دول مجلس التعاون الخليجي:
أولًا: ضرورة إعادة ترتيب البيت الخليجي بما يتماشى مع المشهد الجديد، ونقصد به إيران ما بعد الحرب وسياستها الجديدة في المنطقة التي تقوم على اشتراطات، مع قناعةٍ بأن التباين في المواقف يضعف الموقف الجماعي ويُستغل من قبل الأطراف الأخرى.

ثانيًا: مراجعة السياسات الأمنية بصفة مشتركة، مع تقييم منطقي لمصادر التهديد للدول الست مجتمعة، دون الاعتماد المُفرِط على المظلة الغربية التي أثبتت أنها غير كافية، مع توجه لمراجعة شاملة لمفهوم الأمن الخليجي المشترك، وترجمة هذا التوجه إلى آليات تنفيذ حقيقية تشمل قيادة أمنية موحدة وقواعد اشتباك وتبادلًا استخباراتيًا فعّالًا.

ثالثًا: إيجاد بدائل عملية لنقل إمدادات الطاقة مستقبلًا عند حدوث أزمات مشابهة، وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق؛ وذلك لما سببته حالة إغلاق مضيق هرمز من إرباك.

رابعًا: قد يتم تشكيل المشهد بمعزل عن حضور دول مجلس التعاون الخليجي، ودون تمثيلٍ لها في المفاوضات الحالية؛ مما يُضعف مواقفها تجاه القضايا الإقليمية الحساسة التي تهم المنطقة، وبالتالي فإن على مجلس التعاون الخليجي السعي ليكون طرفًا في أية مشاورات أو مفاوضات مستقبلية تخص المنطقة، لما لها من انعكاسات على دول مجلس التعاون في المقام الأول.

خامسًا: الاستعداد الأفضل للحروب الهجينة التي تعتمد على الطائرات المسيّرة، والحرب السيبرانية، والحلفاء المحليين، وبالتالي تطوير آليات الدفاع والردع.

سادسًا: إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا، والحفاظ على قنوات اتصالٍ مع مختلف الأطراف، لما لها من أهمية في خفض التوتر.

وأخيرًا: تبني سردية مشتركة للأحداث من خلال خطاب إعلامي موحد، إدراكًا بأنه جزء لا يتجزأ من المعركة، وليس أداة ثانوية.

بقي القول إن إيران استفادت من تطوير استراتيجيات الردع، خاصةً بعد حرب يونيو 2025، وكذلك من خلال الاستفادة مما تلقاه حلفاؤها في غزة ولبنان واليمن من ضربات، كما لا يمكن تجاهل استغلال إيران للهوة بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين، والذي أكسبها تعاطفًا، إن لم يكن تأييدًا، استطاعت من خلاله، ومن خلال صمودها، كبح الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية، وبهذا تُعيد الأزمة الحالية تعريف الانتصار ليكون القدرة على الصمود، لا الحسم العسكري المباشر؛ حيث نجحت العقيدة الإيرانية، على الأقل، في فرض معادلة جديدة من خلال استنزاف الخصوم وإطالة أمد الصراع وكسب الوقت، وبالتالي إعادة التموضع، وهي بذلك قد لا تضمن الانتصار أو تحقيق الأمن، لكن استراتيجية كهذه قد تكون كافية لفرض واقعٍ سياسيٍ واستراتيجيٍ مختلف؛ فالصراع لم ينتهِ، بل دخل مرحلةً أكثر تعقيدًا، يكون فيها عامل الوقت سلاحًا صامتًا، وتغدو فيها الجغرافيا أقوى من الجيوش.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z