مقامرة "النخبة" بمصير الجغرافيا والإنسان

 

 

 

محمد بن علي بن ضعين البادي

ليس ثمَّة مشهد أكثر سريالية، ولا أشد إمعانًا في العبث، من أن ترى مثقفًا أو محللًا عربيًا يستجدي القوى الخارجية لتمطر إقليمه بوابلٍ من النيران، محرضًا على حربٍ ضروس "بأي وسيلة كانت"، وكأنَّه يكتب نصًا لمسرحيةٍ متخيلة لا يدرك أنه وأهله ومنجزات وطنه هم أول ضحايا فصولها الدامية.

هذه الموجة المتصاعدة من الكتاب والمغردين الذين يتبنون اليوم الرؤى الأكثر تطرفًا، محاولين أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك في "البيت الأبيض"، لا يمارسون الواقعية السياسية كما يدعون، بل يمارسون نوعًا من الانتحار الجماعي بالوكالة، ويقدمون جغرافيا الخليج العربي قربانًا على مذبح طموحاتٍ سياسية عابرة لا تقيم وزنًا لتراب الأرض ولا لكرامة الإنسان.

إن الخطاب الذي يروج له هؤلاء، والذي انزلق إلى درك التحريض العلني على استخدام أسلحة محرمة دوليًا وضربات "ساحقة" بذريعة الخلاص من الخطر الإيراني، هو خطاب يفتقر إلى أدنى مستويات المسؤولية الوطنية والأخلاقية. ففي نشوة حماستهم لمنشورات دونالد ترامب أو وعوده الانتخابية الصاخبة، أسقط هؤلاء من حساباتهم حقيقةً جغرافية صارخة لا يمكن القفز فوقها؛ وهي أن الخليج العربي ليس مقعدًا في صالة عرض يشاهد منها المرء حريقًا في الجوار؛ بل هو قلب الحدث وجوهره النابض. وأي مواجهة عسكرية بهذا العنف، لن تبحث عن واشنطن خلف المحيطات الشاسعة، بل ستصب جام غضبها ورِدَّات فعلها الحتمية على أقرب الأهداف الحيوية، محولةً منجزات عقود من التنمية والرفاه والاستقرار في دولنا إلى ركام في لحظة جنون واحدة لا يمكن التنبؤ بنهاياتها.

وتتجلى في هذا السياق مفارقة تاريخية تثير الأسى وتستدعي التأمل؛ فبينما تنشغل هذه الأصوات العربية بتبرير المحرقة أو التماهي مع تصعيدها، نرى في المقابل طيفًا واسعًا من المثقفين والمفكرين الغربيين يكتبون بجرأةٍ منقطعة النظير ضد هذه التوجهات، ويقفون موقفًا نقديًا حادًا لسياسات الإدارة الأمريكية التي يرونها تدفع بالعالم نحو مزيدٍ من الاحتقان والاشتعال. هناك، في ردهات الجامعات العريقة وصفحات الصحف العالمية، تُخاض معركة من نوعٍ آخر؛ معركة الدفاع عن "الإنسان" قبل المصالح الضيقة، وعن "الاستقرار الدولي" قبل أوهام الهيمنة. هؤلاء يدركون، بحكم نضجهم التاريخي، أن إشعال النار في منطقة بحساسية الشرق الأوسط هو أمرٌ سهل، لكن إطفاء لظاها أو احتواء تداعياتها قد يحتاج إلى أجيالٍ كاملة من المعاناة والندم.

إنه لمشهدٌ يبعث على الألم حين يغدو صوت العقل، والحرص على قدسية الحياة، وحماية المكتسبات الحضارية، أعلى وأوضح عند من هم خارج دائرة الخطر المباشر، بينما يضعف أو يتوارى خجلًا عند بعض من يقفون على حافة الهاوية. لقد سقط القناع عن هؤلاء الذين يدعون "النخبوية"، فتبين أنهم مجرد "أبواق محرقة" يقتاتون على إثارة الغرائز وتأجيج الصراعات الصفرية، بدلًا من أن يكونوا حائط الصد الفكري الذي يحمي الأمن القومي بمفهومه الشامل. إن المثقف الذي لا يرى في الحرب إلا فوزًا وخسارة سياسية على رقعة شطرنج باردة، متجاهلًا دماء شعبه ومقدرات وطنه، هو مثقف خان أمانة الكلمة وباع بصيرته قبل بصره.

والحكمة السياسية الحقة لا تكمن في استدعاء العواصف المدمرة، بل في حماية "سفينة الأوطان" من الغرق وسط تلاطم الأمواج الدولية. ومن يظن واهمًا أن "النار المُحرَّمة" ستحرق خصمه وتتركه في مأمنٍ منها، فهو لا يقرأ في كتاب السياسة والجغرافيا، بل يغرق في أوهام الانتصارات الورقية. إننا اليوم أمام ضرورة قصوى لإعادة تعريف دور المثقف؛ هل هو محرك للوعي ومنقذ للأرواح، أم هو حطابٌ في غابةٍ تشتعل؟

إنَّ التاريخ، بذاكرته التي لا تنسى، لن يرحم أولئك الذين صفقوا لمحرقةٍ كانت بلادهم هي مسرحها الوحيد، وسيسجل بمداد من خزي كل قلمٍ فضّل التحريض على التهدئة، وكل حنجرةٍ فضلت ضجيج الحرب على سكون البناء. إنها دعوة صادقة للوعي قبل أن يسبق السيف العذل، ولتمييز الخيط الأبيض من الأسود بين من يطالب بحفظ أمن المنطقة بقوة العقل واتزان الموقف، وبين من يكتب ليوقد نارًا لن يكون في نهايتها رابح، بل رماد يغطي وجه الجميع.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z