د. محسن بن حمود الكندي
رَحَلَ عن دنيانا أمس الثلاثاء التاسع عشر من شوال من عام 1447هـ، الموافق السابع من أبريل من عام 2026م، الفقيهُ المربّي الشيخُ العلَّامةُ عبدالله بن سيف الكندي (1350هـ/1930-1447هـ/2026)، سليلُ العرصات النخلية والمعاقل النزوية، ومربّي الأجيال الستينية المسقطية، ومفقّه العقول السَّنية الحالمة بالعلم اللَّدُني، ومفردات الطهر والكمال... رَحَلَ وهو في أواسط عقده التاسع كأنبل ما يكون عليه الإنسان بعد أن بلغ كماله، فربّى جيلًا، ومارس التعليم بشقيه التقليدي والنظامي، غير متأففٍ من استيعاب تفاصيله وطرائقه الحديثة، وإن اختلفت عليها العقول، وهو اليوم إذ يغادرنا نفقد فقيهًا حضبّرًا ألّف وترك من المؤلفات التخصيصية ما لا يفقه فكَّ مكوناتها إلا من أوتي بسطةً في العلم والفهم والتعمق.

كنتُ في كلِّ خطوةٍ أخطوها إلى منازل هذا الناسك المتبتل في محاريب العلم اللدني والعقيدة الإباضية السمحاء؛ تشدني رغبتي لمعرفة كنهه، فيأسرني الفضول إلى طرح سؤالي الدائم الباحث عن جديد هذا الرجل العابد العامل الورع، فيميل إليّ بتواضعٍ جمٍّ عهدته فيه حدَّ الإسراف أن لا جديد لديه، وهو في الحقيقة -رغم عمره- يحمل كل جديد...
يتلبسك مشهد النساك الأطهار، والصفوة الأخيار من السلف الصالح وأنت بحضرة هذا العالم الفقيه المحوري، فيذكرك بمن رحلوا من رفاقه وأترابه من علماء المرحلة العمانية المباركة، والأمة الإسلامية المجيدة.
كان الرجل بحوزة هذه المرحلة قارئًا ومتعلمًا، ودارسًا ومربيًا، وأكثر من ذلك صانع معرفة ومنوّر عقول، ومربّي أجيال... لعلك تشاطره اللحظة الفارقة وهو يسرد بتؤدة جلَّ أسمائهم... أسماء حُفرت في ذاكرته ونُقشت بماء الذهب، فيرددها بترنّم وحسرة، ويحاول أن يعصر ذاكرته كي لا ينسى أحدًا منها؛ ليقول لك -في النهاية- بصوتٍ أجشٍّ ودمع العين يسيل على وجنتيه: أين أنا من أولئك؟ وأين هم مني الآن؟ وهو في الحقيقة منهم وإليهم..
تحضر في ذاكرته الأبدية مشاهد محلة "الرّدة" من أعمال نزوى الفيحاء مكان صرخته الأولى، ومنازل خطوته المباركة، حيث رفاق الأمس المحدودبة ظهورهم على أكتاف المصاحف قراءةً لكتاب الله وحفظًا لسنة نبيّه، وهم يرتلونها بتؤدة، ويحفظونها عن ظهر غيب وصدر رحب، وألسنة زكية، ويتذوقونها عبر مخابر وأدوات استلهامية لم يفتؤوا اتخاذها نبراس حياة وسلاح واقع، ليكونوا بذلك أنموذجًا لحملة العلم ورواد المعرفة؛ وليكون هو وحده -في الجانب الآخر- آخر شهودهم وشاهد تلك الحضرة النزوية المجيدة حينما كان مسجد "الرّدة" المقابل لمنزل أبيه عامرًا بالحفاظ والنساك ومفسري القرآن، في مشهد (كارزمي) يذكرك بالعهود الطاهرة النقية..
وعندما قدم إلى نخل -موطنه- وعمره لا يتجاوز الرابعة عشرة، كانت القلعة (الشاذونية) محجته، ومحلة "الغريض" مرتع تكوينه وصباه، و"الصعبة الغراء" منتهى أمله، فعاصر هناك رجالات أماجد تربى في بيئتهم الخصيبة بكل شيء، وعاش بين ربوعهم سامقًا كالنخيل، يعانق السماء علوًا ويفوقها طولًا وطولًا؛ تزينه هيئته النورانية المقدسة، وتعضده عمامته البيضاء الناصعة، ولحيته الغانمة العبقة بالظهر والعفاف؛ ليرسم بذلك صورة مثلى لإنسان عُمان الأصيل في أبهى حلله وأصفى تجلياته.
كان الرجل متميزًا -حقًا- حيثما قصد وأينما حل، لا يكاد يُعرف في محيطه النخلي إلا بالشيخ عبدالله بن سيف الفقيه الزاهد الورع التقي الوقور، صاحب المروءات والخصال الحميدة؛ لأنه ببساطة تحمّل أمانة العلم بعد رحيل أشياخه، فقصده طلاب العلم من كل مكان، فصار مجلسه المواجه للقلعة دالًّا على المكان، وعلامةً من علاماته.
وعندما قصد مسقط وساقته قدماه المتعثرتان إليها -في أواسط عمره- كانت المدرسة السعيدية محطته، فعرف فيها مدرسيها وطلابها وعرافيها النبلاء، فكوّن جيلًا فارقًا يشهد له بحسن التربية وكمال الإقدام والنسق العلمي والتربية السليمة، وأكثر منها تعاليم المنهج القائم على تدريس علوم الدين وأصول الفقه واللغة العربية ومواد العقيدة الإباضية السمحاء.
وعندما عاد إلى نخل ثانية كانت كراسي مديرية التعليم بجنوب الباطنة تفوق "مرافع" مدرسة الجامع النخلي التي عهدها منذ صباه، فترفّع فيها وتدثر بوثيرها، وأكسبته تألقًا وعلوًا، فأعطى ما استطاع أن يعطيه من خبرة ومراس، مزج فيهما بين القديم الأصيل والحداثة الطارئة، أو بين فقه المشايخ واجتهادات المعاصرين من تلاميذه، فكانت مناهج التعليم مناط ثريا أمله وهو يعصرها عصرًا؛ لينقش أحرف فكره الديني الذي أخلص له وتبنى أطروحاته بشجاعة منقطعة النظير.
كان كالمتبتل الصامد أبدًا، كالمزارع الغارس في نفوس طلابه شرعَ العقائد، ومناهجَ التفاسير، وأكاليلَ الفقه، ودُرَرَ اللغة، وما أروعها من علومٍ أخرويةٍ كللتها مؤلفاته، وبلورتها كتبه العلمية الماثلة في العناوين الآتية: "عقود العقيان في ذكر شيء من مباحث القرآن"، و"التحديث في علوم الحديث"، و"سبيل الرشاد في عدة الوفاة والحداد"، و"الوحدة الإسلامية"، وأخيرًا "عين الإصابة في الصكوك والكتابة ".
عاصر الشيخ عبدالله في مراحل حياته المبكرة إمام المسلمين الرضي محمد بن عبدالله الخليلي، وتراءت له طلعته في القلعة الشهباء أنموذجًا للعدل، ومثالًا للزهد والتقوى والعمل الصالح، بمثل ما عاصر قضاة عصره وعلماء مصره، فكانت له معهم ألف جلسة وجلسة. لا أبالغ كثيرًا حينما أصفه بأنه سمير مجالس بعضهم الفاخرة، ورفيق منازلهم العامرة، فأينما حلوا كان معهم وبرفقتهم قارئًا وكاتبًا وعالمًا ومتعلمًا؛ ففي نزوى كانت له مرابع طفولة ورسوم منازل حظي فيها بالعيش الهنيء في أكناف جده وأبيه (أكرم رجالات عصره كما وصفه المؤرخون)، ومن ثم جماعته وأبناء قبيلته.. علماء زهاد تقاة يتقدمهم: القاضي سعود بن سليمان بن جمعة الكندي، والنحوي يحيى بن أحمد بن سليمان الكندي، والشاعران الاستنهاضيان الكبيران سعيد بن أحمد الكندي، وأبو سلام سليمان بن سعيد الكندي وغيرهم من صفوة القوم، ورواد المنابر وحملة العلم الفقهي واللغوي الذي لا يضاهى.
وفي نخل كانت له جلسات مع الفقيه العلامة قاضي القضاة الشيخ إبراهيم بن سيف بن أحمد الكندي، الذي لا يكاد يذكره إلا بدمع العين، والقاضي سليمان بن علي الكندي الذي يحمله تاجًا على رأسه، ويضعه أكليل غار مطرزة بوشاح التربية والتبني، وله عنده كرامات مثلى في التربية والأخلاق؛ إذ كان يحمله على كتفيه ذهابًا إلى القلعة وإيابًا منها؛ ليختصر له معاناة المسافة بين محلة (الغريض) حيث يسكن والقلعة حيث يتعلم، ومثل تلك المروءات يحملها لأقرانهما المقربين من قلبه ونفسه كالقاضي الجليل محمد بن سعيد الكندي، والمؤرخ الشهير القاضي سالم بن حمود السيابي، والقاضي موسى بن علي الكندي صديق المعرفة ورفيق الدرب، وكذا للشيخ الفقيه محمد بن أحمد السلامي، والشيخ سعيد بن خلف الخروصي، والأديب الأريحي الباذخ كرمًا وعطاءً وشعرًا الشيخ مالك بن إبراهيم الكندي، والشيخ سليمان بن مهنا الكندي وغيرهم من علماء المرحلة وأكابر المجتمع، فكل هؤلاء تربى الشيخ في أكنافهم وعاش بينهم وارتوى من فيض عطائهم، فكانوا له بمثابة الأب والأخ والصديق بعدما غاب أبوه وهجر موطنه إلى الديار الإفريقية، ولم يعد إلا بعد أن شب عود الشيخ، وصار رجلًا يحمل أمارات النبوغ والقيادة.
وفي مسقط، حيث عمل مدرسًا في السعيدية، كانت له حظوة بين مشايخ مسجد الخور ومحكمة مسقط القديمة ودار الإفتاء العليا، فهناك عرف أقرانه المرموقين أمثال سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي، بمثل ما عرف الشيخ الربيع بن المر، وعرف كذلك قضاة المحكمة أمثال: الشيخ محمد بن راشد الخصيبي، والشيخ هاشم بن عيسى الطائي، وفضيلة الشيخ العلامة خلفان بن جميل السيابي، وسماحة المفتي العلامة إبراهيم بن سعيد العبري، والقاضي الشيخ سعيد بن أحمد الكندي، فكل هؤلاء كانوا بمثابة الظل الظليل والدرع الحصين للفتى الغرير القادم من الأقاصي النخلية، في ذلك الزمن الصعب الذي طبق على مسارات الوطن العماني بأسره من كل ناحية.
كل ذلك صقل موهبته، وارتقى بنفسه، وكون إبداعه في التأليف والقراءة والتدوين، وكانت له مع كل أولئك الكوكبة من رجالات الطيف الفقهي والثقافي العماني حكايات ومواقف يرويها بدمع العين وألق الفؤاد، فلا تملك حين تسمعها منه إلا التأثر بما تسمع، ولا سيما مشاهد ليلة وفاة العلامة الفقيد محمد بن سالم الرقيشي -رحمه الله، وكيف تلقى العلماء في تلك الليلة الكئيبة ذلك النبأ الفاجع الأليم، في مشهد ميلودرامي اغرورقت فيه أعينهم بالدموع، وسالت منهمرة على عمائمهم ولحاهم، فطفقوا في صفوف متراصة ينعونه ويشيعونه ويدعون له بالرحمة والغفران، محتسبينه شهيدًا مناضلًا مؤمنًا وقف بشموخ في وجه الجور والظلم والطغيان.
كما يحضر لك -مما يحكيه الشيخ في أماسيه وأوقاته- مشاهد التجاذبات السياسية الأخيرة التي عمت وطنه، ورافقت المشهد السياسي المحتدم بين أقطاب الحراك فيه، وما أعقب ذلك من سقوط دراماتيكي للإمامة المتأخرة، وخروج الإمام غالب بن علي الهنائي وصحبه إلى الديار السعودية، وتواريهم عن الأنظار إلى أن أفل نجمهم، وما صحب ذلك من تداعيات دامية وصراعات عنيفة لم يخف أوارها إلا بتولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في البلاد.
وفي ظل التسعين عامًا التي عاشها الشيخ عبدالله بن سيف الكندي، لا تجده إلا قارئًا لكتاب أو باحثًا عن مسألة؛ يحاول -رغم ظروفه الصحية- أن ينبش في دفاتره القديمة ومخطوطاته العتيقة التليد منها والطارف، فيلقى فيها كل جديد، ولعل من أواخر جديده كتاب "عين الإصابة في الصكوك والكتابة"، الذي تناولناه بالعرض في مقالنا عنه وضمنّاه كتابنا "السطر الأول" في التاريخ الثقافي والأدبي العماني 1/511، وقد استللنا منه اليوم هذه المقالة بتصرف لا يغير معناها، وإنما يحيل إلى مناسبتها التأبينية التي نتأسى فيها على فقده، وفقد حضوره، وإن كان العالم لا يغيب، فكتبه شواهد على حضوره.
وقد بذل في كتابه ذلك -كما قلنا في تلك المقالة- جهدًا كبيرًا ومساعي مثمّنة، وسيظل مرجعًا مهمًا للصياغات القانونية التقليدية وتدوين المنافع، وقيمته أنه كتب من قبل كاتب عُني بالكتابة في عصر كان لها موضع وقيمة واعتبار، ولا تخفى قيمته التعليمية للأجيال؛ ففيه من المنافع ما يجعله مصدرًا في حقله...
رحم الشيخ عبدالله بن سيف الكندي، العالم المؤلف والإنسان المتواضع، صاحب المروءات والكرم واللطف وحب الخير، فجزاه الله على ما قدم خيرًا كثيرًا، وإلى ديار الخلد مع الطاهرين الأنقياء الأبرار.
