هل تأكل الأفعى ذيلها؟

 

 

فوزي عمار

 

في الثامنة من مساء يوم الثلاثاء، بتوقيت الساحل الشرقي الأمريكي، تنتهي مهلة دونالد ترامب التي أعطاها لإيران لفتح مضيق هرمز، وكل العيون متجهة للمنطقة، بين من يعتقد أن ترامب سيذهب في حربه إلى حرب برية، وإنزال على الأقل لأحد الجزر في مضيق هرمز والسيطرة عليها، وبين من يرى أن ترامب لن يفعل شيئًا سوى الاستمرار بالقصف الجوي فقط حتى تعود للعصر الحجري كما قال، أم يا تُرى سيتم الإعلان عن صفقة يقبلها الطرفان؟

في الأساطير القديمة، ثمة صورة قاتلة: أفعى تبدأ في ابتلاع ذيلها، فتدور في حلقة مفرغة لا نهاية لها. إنها تستهلك نفسها بنفسها، ظنًا أنها تلتهم عدوًا، لكنها في الحقيقة تفني جسدها!
هذا هو الأوروبروس، رمز العبث الذي يتحول فيه الفاعل إلى مفعول به، والمبتدئ إلى منتهى.

اليوم، قد نرى الصورة ذاتها تتجسّد في سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع إيران.

منذ سنوات، تلوِّح واشنطن بالخيار العسكري ضد إيران. الهدف المعلن: تغيير النظام، تدمير المنظومة الصاروخية، وإنهاء البرنامج النووي. لكن بعد كل هذه السنوات، إيران لا تزال واقفة. إنها ليست مجرد دولة تمتلك أسلحة، بل دولة مُصنِّعة، تمتلك المعرفة التقنية (know-how)، ولا تستورد هذه المنظومات من أحد.

الواقع أن أي حرب حقيقية لإنجاز هذه الأهداف، وليس مجرد قصف جوي رمزي، أسفر مؤخرًا عن سقوط طائرتين أمريكيتين بصواريخ إيرانية، لقد أصبح تحقيق الأهداف يتطلب دخولًا بريًا، على الأقل لبعض الجزر في مضيق هرمز، وهذا يعني مستنقعًا جديدًا قد يكون أفغانستان والعراق مجرد بروفة له.

وإذا كان الأمريكيون قد تعبوا من حروب الشرق الأوسط، فإن ترامب نفسه وعد مرارًا بإخراج أمريكا من المستنقعات، لا بالدخول أعمق فيها.

لكن المشكلة أكبر: داخل أمريكا نفسها، هناك معارضة داخلية واسعة لحرب برية جديدة. اليسار والوسط، وحتى جزء من اليمين التقليدي، لا يريدون جنودًا آخرين في توابيت تعود من الصحراء. أما الشريك الأوروبي، فقد بدأ يظهر عليه التململ؛ فالحلفاء لم يعودوا متحمسين لمغامرة، خاصة بعد عداء ترامب الواضح لأوروبا وتهديده بضم جرينلاند بالقوة، كما أنهم يدركون أن إيران ليست العراق. لكن ثمة جبهة أخرى أكثر إلحاحًا من طهران: جبهة الأسعار داخل أمريكا نفسها. فإذا ما اندلعت حرب طويلة مع إيران، فإن أول ضريبة يدفعها المواطن الأمريكي العادي ليست دماء جنوده فقط، بل ارتفاع جنوني في أسعار المحروقات التي بدأت ترتفع فعلًا.

إيران تعرف جيدًا كيف تضرب اقتصاد من يعتدي عليها. وفي بلد يعتمد فيه الملايين على سياراتهم للذهاب إلى العمل، فإن كل دولار إضافي في سعر الجالون هو صوت انتخابي يهاجر من ترامب إلى خصومه.

وهنا يأتي التوقيت القاتل: ترامب ينتظر الانتخابات النصفية للكونجرس بفارغ الصبر. هذه الانتخابات ليست مجرد استفتاء على شعبيته التي بدأت في التقلص، خاصة بعد استقالة ضباط كبار من الجيش اعتراضًا على سياسات ترامب، بل ستكون مفتاح بقائه السياسي. فإذا خسر ترامب السيطرة على الكونجرس، وخصوصًا مجلس النواب، فإن النتيجة ستكون قاسية وبسيطة: الكونجرس سيحرم إدارته من أي تمويل مالي لأي حرب جديدة. بدون موافقة الكونجرس على الميزانيات، لا قنابل، لا وقود للطائرات، لا رواتب للجنود المنتشرين.

في الثقافة السياسية الأمريكية، يوصف الرئيس الذي يفقد السيطرة على الكونجرس بأنه "بطة عرجاء (Lame Duck). وبطة عرجاء لا تستطيع شن حرب، بل بالكاد تستطيع إنهاء ولايتها. فكيف إذا كانت هذه الحرب تتطلب دخولًا بريًا وتضحيات هائلة؟

وهذا الوضع ما يجعل الفارق بين روسيا وحربها في أوكرانيا مع أمريكا وحربها في إيران يختلف جوهريًا من حيث القدرة على الاستدامة لصالح روسيا.

وإذا لم يستطع ترامب الذهاب بريًا، ولم يجد من يؤيده داخليًا (بسبب معارضة الرأي العام وثقل الأسعار)، ولا خارجيًا (بسبب تململ الأوروبيين ومعارضتهم الصريحة)، ولم يحصل على تمويل من كونجرس معادٍ، فسيواجه الخيار الآخر: الانسحاب دون إتمام المهمة. وهذا يعني ترك الأهداف التي وضعها بنفسه، وهي تغيير النظام، وتدمير الصواريخ، وإنهاء البرنامج النووي، كلها أهداف غير محققة.

والانسحاب بهذه الصورة ليس مجرد هزيمة تكتيكية، بل هو اعتراف ضمني بأن القوة الأمريكية وحدها لا تكفي، وأن الأفعى قد بدأت تلتهم ذيلها. والسؤال المهم: هل تتوقف إيران عن الحرب إذا انسحب ترامب، أم تستمر في الضربات لأهداف خليجية؟ ومن سيدفع تكاليف هذه الحرب؟

هنا يأتي السؤال الأهم المصيري: هل ترامب هو الأفعى التي تحاول ابتلاع ذيلها؟ يريد أن يضرب إيران ليقول إنه قوي، لكن كل خيارات العض تؤدي إلى التهام نفسه.

إن هاجم جويًا فقط، فلن يدمر البرنامج النووي ولا الصواريخ بالكامل، ولن يسقط النظام، وسيزداد ارتفاع أسعار المحروقات في أمريكا، مما يغضب الناخبين قبل الانتخابات النصفية. وإن دخل بريًا، واجه معارضة داخلية أمريكية وتململًا أوروبيًا، بما في ذلك الحليف بريطانيا، وتصريحات كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، كانت الأكثر انزعاجًا من سياسة ترامب في هذه الحرب، أيضًا خسارة لحلفائه العرب في الخليج، الذين ستصب إيران جام غضبها عليهم انتقامًا، ومستنقع جديد، وثقلًا ماليًا يرفض الكونجرس توفيره إذا خسر ترامب الانتخابات.

وإن انسحب، فسيكون ذلك اعترافًا بالفشل وضياع الأهداف، وصورة البطة العرجاء التي لا تستطيع حتى إنهاء ما بدأته. في الحالات الثلاث، يتحول المشروع إلى "أوروبروس": الأفعى التي تحاول الخروج من المأزق بعضّ نفسها، فتزداد حصارًا. وكلما حاولت الخروج، ازدادت التفافًا على جسدها، حتى تختنق.

ربما لم يكن ترامب يعلم، وهو يهدد إيران بضغطٍ من نتنياهو، أنه يطبق أقدم أساطير البشر: الأفعى التي تأكل ذيلها. والسؤال الآن: هل سيفيق قبل أن يلتهم نفسه، أم أننا سنشاهد الأوروبروس الأمريكي يتحقق على أرض الواقع؟ والأهم: هل يدرك أن ذيله الذي يبتلعه هو ناخبوه أنفسهم، الذين يدفعون الفاتورة عند كل مضخة بنزين؟

الأكثر قراءة

z