المسجد الأقصى وإعدام الأسرى

 

 

 

د. خالد بن علي الخوالدي

 

منذ بداية شهر رمضان المبارك، والمسجد الأقصى مغلق ولا صلاة فيه، وهذا لم يحدث في التاريخ أبدًا، والمحتل الصهيوني يعيث في الأرض فسادًا، وفي غزة تدميرًا وقتلًا، ويتحدى العالم كله ويصدر قرارًا تاريخيًا بإعدام الأسرى الفلسطينيين الذين لا حول لهم ولا قوة، وأمام هذا الهول من العجرفة الصهيونية فكرت كثيرًا في وضع الأمة الإسلامية التي تُهان وتُداس كرامتها كل يوم، وتساءلت بيني وبين نفسي: لماذا هذا الصمت والسكوت المريب؟ أين الشعوب الإسلامية؟ أين العرب؟ كيف يمكن أن تمر هذه الأحداث دون أن تُحرّك فينا ساكنًا؟ ولماذا غير المسلمين أكثر منا نخوةً وردة فعل تجاه ما يحدث في فلسطين وقرار إعدام الأسرى؟

أسئلة كثيرة، وإجابتها محيرة في نفس الوقت، ولا أجد لها إجابة شافية، فعدد المليارين مسلم عاجزون عن رفع رؤوسهم وإبداء ردة فعل، حتى لو وقتية، والحكومات صمتها أكثر ريبة ومذلة، ولم تُبدِ ردة فعل حتى بالاكتفاء بالإدانة اللفظية، التي لم تعد كافية في مواجهة هذا الكم من الانتهاكات، فالقضية الفلسطينية هي قضية عقيدة وهوية وكرامة، وليست شأنًا سياسيًا عابرًا، وهي القضية المركزية للأمة الإسلامية والعربية.

وفي ظل الانشغال بالتحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وتحديدًا مع تصاعد التوترات والحرب ذات الأبعاد الإيرانية الأمريكية والصهيونية، ينشغل الإعلام الدولي وتتوجه بوصلة الاهتمام بعيدًا عن معاناة الشعب الفلسطيني، وتصبح القضية مختفية خلف ستار الصراعات الكبرى، وكأن ما يحدث على أرض فلسطين لم يعد أولوية، رغم فداحته وخطورته.

إن إغلاق المسجد الأقصى منذ بداية شهر رمضان المبارك وحتى اليوم يعد سابقة خطيرة لم يشهدها التاريخ الحديث، بل هو انتهاك صارخ لقدسية أحد أهم المقدسات الإسلامية، فالمسجد الأقصى هو ثالث الحرمين الشريفين وأولى القبلتين، ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والمساس به أو إغلاقه هو مساس مباشر بهوية الأمة وكرامتها الدينية والتاريخية، وفي الوقت الذي يُفترض أن يكون فيه شهر رمضان موسمًا للعبادة والطمأنينة، عاش أهل القدس وفلسطين واقعًا من التضييق والحرمان، حيث فُرضت القيود المشددة ومُنع المصلون من الوصول إلى المسجد، في مشهد يعكس حجم الظلم الذي يمارسه الكيان الصهيوني دون رادع دولي أو موقف حازم.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد من الظلم والجبروت، حيث تابعنا تصاعد الانتهاكات لتصل إلى قرارات أكثر قسوة، من بينها اعتماد إعدام الأسرى الفلسطينيين، وهو قرار يحمل في طياته أبعادًا إنسانية وقانونية خطيرة، ويعد انتهاكًا صارخًا لكل المواثيق الدولية التي تضمن حقوق الأسرى، وهذه السياسات تعكس نهجًا متصاعدًا من التطرف والعنف، وتؤسس لمرحلة أكثر دموية في الصراع.

وفي غزة، لا تزال آلة الحرب الصهيونية تمارس أبشع صور الوحشية بحق المدنيين، حيث القصف المستمر والحصار الخانق وانهيار البنية التحتية، في ظل صمت دولي مريب، ورغم هذه الجرائم اليومية فإن الإعلام العالمي يتجه اليوم نحو تغطية الحرب الإيرانية الأمريكية والصهيونية، متناسيًا مأساة شعب يُباد ببطء أمام أعين العالم.

لا شك أن استمرار هذه السياسات الظالمة سيؤدي، بلا شك، إلى تعقيد المشهد الفلسطيني وإضعاف فرص السلام، وسوف يُشعل موجات جديدة من التصعيد والعنف في المنطقة، كما أن تجاهل هذه القضية سيؤثر سلبًا على استقرار الوطن العربي والعالم الإسلامي، ويُعمّق حالة الانقسام والضعف.

إن المسجد الأقصى اليوم ينادي، وغزة تستغيث، والأسرى يواجهون مصيرًا مجهولًا، والمسؤولية اليوم لا تقع على الحكومات وحدها، وإنما تشمل الشعوب والإعلام والنخب الفكرية، وكل من يحمل في قلبه ذرة انتماء لهذه الأمة.

ودمتم، ودامت عُمان بخير.

الأكثر قراءة

z