عبدالخالق بن محمد آل عيسى
في ظل التوترات المتصاعدة، يبرز تساؤل جوهري: هل تستطيع إيران الرد على أي استهداف لمنشآت الطاقة (النفط والغاز) على أراضيها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل؟ الإجابة التقنية هي "نعم" قاطعة، لكن السؤال الأهم هو: هل ستفعل ذلك؟ للإجابة، يجب تفكيك الموقف من زاويتين:
أولًا: المقاربة الأمنية (عقيدة الردع)
تنظر طهران إلى استهداف بنيتها التحتية كمسألة "أمن قومي" وجودي. تنفيذ التهديد بالرد هنا لا يعد مجرد انتقام، بل هو ضرورة لما يلي:
- إثبات المصداقية: تأكيد جدية التهديدات الإيرانية أمام الرأي العام الداخلي والمجتمع الدولي.
- شق صف التحالفات: الضغط على دول المنطقة وحلفاء واشنطن ودولة الكيان الإسرائيلي لإدراك أن الانخراط في أي عمل عدائي سيؤدي إلى انزلاق الجميع في حرب شاملة، تبدأ بإيران ولا تنتهي إلا بجر دول وحركات أخرى للمواجهة.
- فرض الردع: إيصال رسالة بأن كلفة استهداف الطاقة الإيرانية ستعادلها كلفة باهظة في مصالح الطرف الآخر.
ثانيًا: البعد الأخلاقي والإنساني (الرد المنضبط)
تميل الرؤية التحليلية هنا إلى أن الرد الإيراني قد يكون "محدودًا ومدروسًا"؛ بحيث يستهدف أجزاءً من البنية التحتية للطاقة للطرف الآخر دون تدميرها كليًا. الهدف من ذلك هو خلق ضغط سياسي واقتصادي يدفع تلك الأطراف للتخلي عن مظلة الحماية الأمريكية المطلقة لدول المنطقة، والابتعاد عن أي عمل يوسع نطاق المواجهة بشكل دراماتيكي يضر بالشعوب. وأما فيما يتعلق بالكيان الإسرائيلي فلتحقيق عدة أهداف إستراتيجية يسعى إليها منذ نشأته من ناحية ومنذ إندلاع المواجهة المباشرة مع إيران، من خلال تحطيم أهداف الكيان واحدة تلو الأخرى تمهيدا لإعادة عزلته سياسيًا واقتصاديًا في المنطقة وصولا للشعارات المعلنة التي صبغت الثورة الإسلامية الإيرانية منذ نشأتها فيما يخص القضية الفلسطينية.
عقبات القرار وتحديات الواقع
ثمة عقبات تحول دون الحسم السريع، أبرزها "ارتهان القرار السياسي" نتيجة السياسات العربية-الأمريكية التي تراكمت منذ عام 1973، والتي بُنيت على فرضية أن التحالف مع واشنطن هو صمام أمان للرخاء والتنمية؛ وهي الفرضية التي باتت اليوم تحت مجهر التهديد الحقيقي.
من جهة أخرى، لا تزال "النزعة العقائدية" تحكم السلوك العسكري الإيراني، وهو ما يفسر تركيز هجماتها المعلنة على المواقع العسكرية والأمنية في الأراضي المحتلة، محاولةً تجنب البنى المدنية أو إلحاق ضرر يسير فيها، في مفارقة واضحة لما تقوم به الولايات المتحدة وإسرائيل من استهداف مباشر للبنى المدنية رغم النفي المستمر.
ختامًا.. لقد آن الأوان للدول العربية والخليجية تبني نهج سياسي جديد يتسم بالاستقلالية، خاصة بعدما تكشفت هشاشة التحالفات الحالية. ولعل في التاريخ عبرة؛ فالموقف الحالي يعيد للأذهان مرارة "المفاجآت السيادية"، كما حدث مع شاه إيران الذي اكتشف في لحظة فارقة أن طائراته الحربية كانت تُستخدم في "حرب فيتنام" بقرار أمريكي ودون علمه أو إذنه، مما جسّد ذروة الارتهان للخارج.
