الفترة الرابعة للمجالس البلدية والوعي الجديد

 

 

 

د. عبدالله باحجاج

بدأت خلال الساعات القليلة الماضية قبول طلبات الترشح لانتخابات أعضاء المجالس البلدية في بلادنا للفترة الرابعة (2027- 2030) وسيستمر القبول حتى يوم الخميس 23 أبريل الجاري، على أن يكون آخر يوم لسحب طلبات الترشح يوم الخميس 29 من الشهر نفسه، وينبغي أن تُمثِّل الفترة الرابعة نقطةَ تحولٍ في التفكير وتحقيق النتائج الكبرى والملموسة من المنظورين الكمي والنوعي، لعدة أسباب، وهنا سنركز على عاملين أساسيين.

العامل الأول: تطوُّر تجربة المجالس البلدية في بلادنا- انتخابًا وصلاحيةً- وقد بدأت منذ عام 2011 بخطواتٍ مُتدرِّجةٍ مدروسةٍ حتى ترسَّخت في الممارسة والأداء، ووصلت إلى مستويات تُصبح فيه المشاركة الحكومية المجتمعية من أبرز سمات مسيرتنا المتجددة، ويُعوَّل عليها إحداث نقلة كبرى، من خلال الحوار والمشاركة المسؤولة والملتزمة داخل المؤسسات الوطنية؛ كمجلسيْ الدولة والشورى، والمحلية كالمجالس البلدية واللجان وغرفة تجارة وصناعة عُمان بفروعها المنتشرة في المحافظات. وطبيعة النقلة المأمولة الآن تكمُن في إقامة اقتصاديات محلية تحت مظلة مؤسسات المحافظين التي تجد نفسها تحت ضغوط سياسية لتحقيق الإنجازات الملموسة عبر شراكتها مع كل مجتمع محلي، ليس فحسب في مجال الخدمات العامة، وإنما التنمية الشاملة كذلك، بحيث أصبح يُنظر الآن إلى اللامركزية في بلادنا على أنها من أبرز الأدوات التي ينبغي أن تعمل على استدامة الاستقرار الاجتماعي.

العامل الثاني: التعويل على اللامركزية في إقامة اقتصاديات محلية في بلدٍ مُترامي الأطراف، ويتمتع بموارد ومقومات اقتصادية وجيواستراتيجية، ما يجعل النجاح في إقامة اقتصاديات محلية من السهولة المُمكِنة، وإذا لم تكن كل محافظة مؤهلة ذاتيًا لإقامة اقتصاد محلي، فإنَّ الفترة الرابعة للمجالس البلدية تدخل بطموح تمكين كل مجتمع محلي من إنتاج الثروة، عبر استثمار ما تمتلكه من موارد، وتوجيهها نحو مشاريع تعود بالنفع المباشر على تنمية المحافظة والوطن عمومًا.

ومن هذين العاملين تتضح لنا أهمية الفترة الرابعة للمجالس البلدية المقبلة، ودور المشاركة المجتمعية؛ سواء في الترشُّح للانتخابات المقبلة والزج بكفاءات واعية للمجالس البلدية والإقبال على صناديق الانتخابات. ولن نُبالغ إذا ما قلنا إن أهمية المجالس البلدية تتعاظم الآن؛ إذ ربما رسالتها لم تصل كما يجب، وبالتالي تدفع بكل محافظة إلى اختيار الأكفأ والأفضل من أبنائها لتأسيس اقتصادياتها وتنميتها المحلية، بهدف تعزيز الدخل المحلي؛ أي إيجاد إيرادات محلية جديدة، وكذلك توفير فرص عمل لأبناء كل مجتمع محلي.

من هنا.. فإنَّ الترشُّح والترشيح لانتخابات الفترة الرابعة المقبلة ينبغي أن تحكمها مسألتين مُهمتين؛ الأولى: وعي النُخَب التي ستبادر للترشُّح؛ فهذه المجالس لم تُعد من أجل الوجاهة أو التربُّح، وإنما للمساهمة في إحداث نقلة- نوعية وكمية- لأجندات وطنية محلية في كل محافظة يكون هدفها استدامة الاستقرار الاجتماعي. ولم تعد الفكرة التقليدية عن المجالس البلدية؛ أي إنها خدمية قائمة لوحدها؛ فهي الآن خدمية وتنموية؛ لذلك، فإنَّ كل محافظة وكل النخب فيها ينبغي أن تُدرك طبيعة المرحلة المقبلة وتوجهاتها واستحقاقاتها، وأن ينعكس ذلك إيجابًا على ما يخرج من انتخابات المجالس البلدية من كفاءات تعبر عن صوت المجتمعات المحلية وأولوياتها الجديدة.

وشغفنا الحقيقي أن نرى إقبال النخب والكفاءات الواعية، بالتوازي مع إقبال كبير على صناديق الانتخابات لاختيار أعضاء المجالس البلدية على مستوى استحقاقات الفترة الرابعة، التي لم تعد تحتمل الأداء التقليدي؛ بل تتطلب كفاءات قادرة على التفكير التنموي، واستشراف المستقبل، والعمل بروح الشراكة مع الجهات الحكومية المركزية واللامركزية لإنجاح مثل تلكم التحولات الوطنية؛ بصرف النظر عن ماهية صلاحيات المجالس التي يتحجَّج بها البعض؛ فالإيمان بالحوار المشترك- الحكومي المجتمعي- هو غاية تُستهدف في ذاتها؛ لأن نتائج هذا النوع من الحوار تتحقق بما يخلفه الحوار الحقيقي والناضج من قناعةٍ مشتركةٍ ورؤى متقاربة، خاصةً إذا كانت تهدف إلى تحقيق الأجندات الوطنية سالفة الذكر، وبما يُعزِّز غاياتها، وفي مقدمتها الاستقرار الاجتماعي. ونؤكد هنا على أن الحوار ليس من أجل تبادل الكلمات والأفكار، وإنما هو عملية بناء القناعات وصناعة الحُجَج حول المصلحة العامة، ونؤكد كذلك على أهمية الاهتمام الاجتماعي بالمرشحين للفترة الرابعة، والإقبال الكبير على الانتخابات.

ولا شك أن كفاءة المُرشَّح والإقبال على الانتخابات، ستعكسان حيوية كل مجتمع محلي، ومدى الإحساس بالمسؤولية تجاه المجتمعات المحلية، ليس في مجال الخدمات من طرق وصحة وتعليم وبيئة وحسب، وإنما كذلك من أجل تحقيق التنمية الشاملة. وكلما ارتفعت نسبة المشاركة في الانتخابات وتم اختيار الأعضاء المناسبين لتلكم الاستحقاقات، زادت معها قُدرة المجالس على تمثيل المجتمع تمثيلًا حقيقيًا يعكس أولوياته وتطلعاته، ويعمل كذلك على تحقيق الأجندات الوطنية. والمطلوب الآن من كل مجتمع محلي اختيار النخب الواعية التي تمتلك خبرات وثقافة وتعليم، وتفهم طبيعة وماهية المسيرة المتجددة في تحولاتها الكبرى، وتفهم كذلك احتياجات المواطنين وتفاصيل حياتهم؛ وذلك حتى تُصبح المجالس البلدية منصات فعلية للحوار المجتمعي والتخطيط المحلي وحل القضايا والظواهر.

ويبدو أن هناك فجوة في الوعي بدور المجالس البلدية، أو شعور من قِبَل بعض المواطنين بأن تأثيرها محدود، أو حالة إغراق في المفهوم التقليدي؛ لذلك ينبغي من الآن تنظيم جلسات حوار إعلامية واجتماعية حول دور المجالس البلدية خلال الفترة الرابعة تحديدًا، وأولويات المجتمع والدولة، يُشاركُ فيها مفكرون في كل محافظة وأعضاء سابقون وحاليون في المجالس؛ للكشف عن الإنجازات والمأمول خلال الفترة المقبلة، وحين تشعر المجتمعات المحلية أن لديها قنوات مؤسسية للتعبير والمشاركة واتخاذ القرار المحلي، فإنَّ ذلك يُعزِّز الثقة بين الحكومة والمجتمع، وهذا يشمل أحد أعمدة الاستقرار السياسي والاجتماعي؛ لأنها ببساطة تبني الوعي التنموي المحلي، وتُعزِّز من مستوى الثقة والتفاؤل بالمستقبل.

الأكثر قراءة

z