الخطوة الزائدة… تكلفة لا تُرى

خالد بن حمد الرواحي

في بعض المعاملات، لا يحتاج المواطن إلى فهم الإجراءات بقدر ما يحتاج إلى حفظها. يعرف إلى أين يذهب أولًا، ومن سيطلب منه ماذا، ومتى يعود، وماذا يُحضِر في كل مرة. ليس لأن الطريق واضح… بل لأنه تكرر كثيرًا. ومع مرور الوقت، لا تعود المشكلة في تعقيد المعاملة، بل في اعتيادها.

المفارقة أن هذا التكرار لا يحدث في غياب الأنظمة، بل رغم وجودها. فبين جهة تمتلك البيانات، وأخرى تستطيع الوصول إليها، وثالثة تطلب من المواطن تحديثها من جديد، يتشكل واقع غير معلن، يتحول فيه المواطن، بهدوء، إلى حلقة وصل بين أنظمة يُفترض أنها مترابطة. لا يحمل أوراقًا فقط، بل يتحمل أدوارًا لم تُصمَّم له من الأساس.

حين يُطلب من المراجع إحضار مستند صادر من نفس الجهة، أو إعادة إدخال بيانات سبق أن سجّلها، فإن المشكلة لا تكون في نقص المعلومات، بل في مسارها. فالمعلومة موجودة، لكن رحلتها داخل المنظومة لا تكتمل. وكلما تكررت الخطوة، اتسعت الفجوة بين ما تملكه الجهات من إمكانات… وما يعيشه المواطن من تجربة.

وليس هذا فقط، بل في بعض الحالات لا يقتصر الأمر على تكرار البيانات أو طلب مستندات متاحة، بل يمتد إلى إجراءات يُطلب من المراجع تنفيذها دون أن يكون الغرض منها واضحًا. وحين يحاول الاستفسار، لا يجد تفسيرًا مقنعًا؛ ليس لأن الموظف يفتقر إلى المعرفة، بل لأن الإجراء نفسه لم يُراجع من زاوية جدواه.

فيتحول التطبيق من وسيلة لتنظيم العمل… إلى ممارسة تُنفّذ كما هي، دون تساؤل عن ضرورتها أو أثرها. ومع الوقت، تصبح بعض الخطوات جزءًا من المسار، لا لأنها تضيف قيمة، بل لأنها اعتادت أن تكون كذلك.
ليست كل خطوة في الإجراء ضرورة، وبعضها يستحق أن يُسأل: لماذا ما زال موجودًا؟

وفي هذا المشهد، لا يضيع الوقت فقط، بل تتآكل الثقة بهدوء. فالمواطن لا يقيس كفاءة المؤسسة بعدد الأنظمة التي تمتلكها، بل بعدد الخطوات التي يُعفى منها. وكل خطوة إضافية لا تبدو مبررة تُضعف هذا الإحساس، مهما كانت النوايا أو الجهود المبذولة خلف الكواليس.

المسألة هنا لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بطريقة استخدامها. فالتحول الرقمي لا يبدأ من النظام، بل من فهم الغاية منه: أن تُجمع البيانات مرة واحدة، وتُستخدم عند الحاجة دون تكرار، وأن تُصمَّم الخدمة كما يراها المستفيد، لا كما تُقسَّم إداريًا. فالتغيير الحقيقي لا يحدث حين نضيف نظامًا جديدًا، بل حين نُعيد تشكيل التجربة ذاتها.

المشكلة ليست أن المواطن يُدخل بياناته أكثر من مرة… بل إنه أصبح، دون أن يشعر، جزءًا من نظام لم يُصمَّم ليعمل بدونه.

هنا تحديدًا تظهر الفجوة بين امتلاك الأنظمة… والعمل كمنظومة. فالتكامل لا يتحقق بمجرد الربط الإلكتروني، بل حين تتدفق المعلومات بسلاسة، وتُستخدم بذكاء، وتختفي الحاجة إلى طلب ما هو متاح أصلًا. عندها فقط تتحول التقنية من عبء إضافي إلى أداة تُبسّط الطريق.

وإذا كان هذا الخلل يظهر بين الجهات، فإنه يبدأ غالبًا من داخل الجهة نفسها. فحين تعمل الإدارات بشكل منفصل، وتُبنى الإجراءات دون رؤية مشتركة، تنتقل هذه التجزئة إلى الخارج، وتظهر بشكل أوضح في تجربة المراجع. فالتكامل لا يتوقف عند حدود الهيكل التنظيمي، بل يبدأ منه.

في النهاية، لا يبحث المواطن عن نظام متقدم بقدر ما يبحث عن تجربة سهلة. لا يعنيه كم جهة شاركت في إنجاز معاملته، بل يعنيه أن تُنجز دون تعقيد، وبأقل جهد ممكن. وحين تختفي الحاجة إلى السؤال المتكرر: ماذا أُحضِر؟ وأين أذهب؟

عندها فقط… نعرف أن التكامل لم يُكتب في الأنظمة… بل تحقق في الواقع.

 

الأكثر قراءة

z