بتلوموني ليه؟

 

 

مدرين المكتومي

يُروى في إحدى حكايات "ألف ليلة وليلة" أن بحارًا شجاعًا وذكيًا وصل إلى إحدى الجزر المجهولة، فوجد سكانها يعيشون في فوضى عارمة وصراعات كثيرة، يتنازعون على كنز وجدوه إذ يرى كل واحد منهم أنه الأحق بذلك الكنز، فارتفعت الأصوات وازدادت الخلافات واحتدم الشجار بين سكان الجزيرة، حتى كادت أن تنهار بسبب الصراع الذي لم يتوقف.

لكن هذا البحار الشجاع قرر عدم الدخول في الصراع، ووقف يتأمل في الموقف دون اندفاع، وبحث عن حلول عملية تحول دون وقوع كارثة في هذه الجزيرة الجميلة.

وفي المقابل، سخر أهالي الجزيرة من ذلك البحار الذي عانى كثيرا وهو يبحث عن حل مستدام لهذه الصراعات، واتهموه بالجبن، ومع ذلك كان البحار يؤمن بأن الخوض في أي صراع دون بوصلة واضحة ستكون نتائجه خسارة الجميع. وظل البحّار يطبق حلولا توصل إليها لتهدئة الأوضاع إلى أن تمكن من إنهاء المشاكل، وبعد أن انتهت الأزمة اكتشف أهل الجزيرة أن حكمة التريث والتفكير كانت هي الطريق الوحيد لإنقاذ الجزيرة وهي الطريقة الوحيدة للأمن والسلام.

"بتلوموني ليه؟" سؤال يبدو في ظاهره بسيطًا جدًا، لكنه يحمل في طياته عمقًا ودلالات كثيرة، ويكاد يلخص الجدل الدائر حول الموقف العُماني في ظل الأزمة الحالية التي تعيشها المنطقة والحرب القائمة، حيث يرى البعض أن موقف سلطنة عُمان الحيادي وغير المتطرف غير كافٍ، والبعض يطالب بالانخراط في حرب لا يُعرف لها نهاية، والكثير ممن يفسرون التوازن والتريث على أنه تردد غير منطقي، لا يدركون أن هذه القراءة عدم معرفة ودراية بجوهر السياسة العُمانية وبمواقفها الثابتة.

إن سلطنة عُمان لا تتغير مواقفها على مر العصور وفقًا للرياح القادمة من أي اتجاه، بل هي بلد رسم لنفسه منذ بدايات النهضة الحديثة مسارًا واضحًا وصريحًا، وهو مسار قائم على الثبات والاتزان في كل شيء، مسار يتسم بالحياد الإيجابي والدور المتزن، وليس الانسحاب من المشهد، فعُمان دائمًا ما تؤكد حضورها بمواقفها وجهودها المبذولة والواضحة للجميع على المستوى الدبلوماسي، وجهودها أيضًا في وقف التصعيد وتجنبه، انطلاقًا من إيمانها التام بأهمية الحوار والدبلوماسية لحل الأزمات والصراعات وتحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة.

وفي عالم تتعالى فيه لغة الاتهام والتخوين، لم تنجر عُمان نحو أي من هذه الأصوات أو الرد عليها، بل اختارت أن تترفع عن المهاترات وصغائر الأمور، وأن تظل محافظة على خطابها المتزن البعيد عن الانفعالات التي لا نتيجة لها، وهو بالتأكيد الخيار الصحيح مهما واجه من انتقادات، وهو انعكاس حقيقي لنضج سياسي ورؤية بعيدة المدى.

إن من يلقي اللوم على عُمان اليوم، فهو ينظر إلى المشهد من زاوية قاصرة، تختلط معها العواطف والمشاعر والانجرار لما يرى ويشاهد، دون أن يعلم أن كثيرًا من الأزمات التي اندلعت واتسعت رقعتها كانت بسبب ردود الفعل المتسرعة، التي قادت الأمور إلى تعقيدات أكبر، بينما أثبتت التجربة أن السياسات التي تقوم على التهدئة والحوار والدبلوماسية والصبر هي الأكثر قدرة على تحقيق نتائج جيدة ومستدامة.

وما يميز الموقف العُماني أنه لا يُبنى على ردّات الفعل، بل هو امتداد لنهج واضح وثابت لم تغيره الظروف ولم تؤثر عليه الضغوطات اللحظية، بل يلتزم بمبادئ واضحة أثبتت صحتها وأهميتها عبر الزمن، وساهمت في أن تكون عُمان رمزًا للحكمة في محيط يتسم بالتوتر والارتباك والاضطراب، ومن هنا فلا يمكن لأحد أن يلوم عُمان على مواقفها النبيلة، أو على دورها في جمع الكلمة وتقريب وجهات النظر بدلًا من تفريقها، فالتاريخ غدًا لن يخلد الأصوات المرتفعة العالية بقدر ما سيخلد تلك المواقف التي كانت ذات أثر عميق.

وفي نهاية المطاف، حين يتردد هذا السؤال: "بتلوموني ليه؟"، فإن الإجابة الأقرب والأهم هي: "إن البعض لا يرى إلا ضجيج الأصوات وارتفاعها، في حين اختارت عُمان أن تكون بلد الحوار والسلام".

الأكثر قراءة

z