هذه عُمان

 

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي

في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبرز اسم عُمان بقوة، ليس باعتبارها وسيطًا فحسب كما اعتاد كثيرون أن يصفوها، بل لمواقفها الثابتة التي تتكرر في كل منعطف، وتكشف عن نهج واضح لا يتغير بتغير الظروف.

ففي الوقت الذي تتبدل فيه المواقف وتتقاطع فيه المصالح وتعلو فيه حسابات القوة، تظل عُمان حاضرة بصوت مختلف، يستند إلى مبدأ لا إلى ظرف، وإلى قناعة لا إلى ضغوط، ومن هنا تأتي هذه القراءة ليس فقط لفهم هذا الحضور، بل لتأمل ما يقف خلفه من أرضٍ وإنسانٍ وتاريخٍ وسياسةٍ صنعت هذا النهج ورسّخته عبر الزمن.

لم تكن عُمان يومًا مجرد جغرافيا على خريطة، بل كانت محطة تلاقي حضارات، ونافذة مفتوحة على العالم، وهذا الامتداد التاريخي الذي جمع بين البحر والصحراء وبين التواصل والانفتاح أسهم في تشكيل شخصية متوازنة، قادرة على التفاعل دون أن تفقد هويتها.

وفي قلب هذه المسيرة، يقف الإنسان العُماني، بهدوئه المعروف ووعيه المتزن وإدراكه العميق لمعنى التعايش، هو ليس مجرد متلقٍ لسياسات دولته، بل شريك في تشكيلها بقيمه وثقافته ونظرته للحياة، وهذا الإنسان الذي تعلّم من بيئته الصبر ومن إرثه الحضاري يدرك أن الاستقرار ليس صدفة، بل نتيجة وعي وسلوك.

ولعل من أعمق ما يميز هذه التجربة، جذورها الإسلامية التي قامت على القناعة لا الإكراه، فقد دخل أهل عُمان في الإسلام طواعيةً دون قتال، كما امتدحهم سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم في قوله: "لو أن أهل عُمان أتيتَ ما سبّوك ولا ضربوك"، وهو ما يعكس طبيعة هذا المجتمع القائمة على القبول والحكمة، ومن هذه الروح انطلق العُمانيون إلى آفاق أوسع ناشرين الإسلام في شرق أفريقيا وأجزاء من آسيا، لا بالسيف، بل بالأخلاق والتجارة وحسن التعامل، وهي القيم نفسها التي لا تزال تشكل أساس الشخصية العُمانية حتى اليوم.

كما أن استقرار عُمان لم يكن وليد لحظة، بل نتاج تراكم تاريخي عميق ارتبط بقيادة راسخة، حيث تُعد الأسرة الحاكمة في عُمان من أعرق الأسر الحاكمة في المنطقة، إذ يمتد تاريخها لأكثر من 280 عامًا، وهذا الامتداد لم يكن مجرد استمرار زمني، بل أسهم في ترسيخ نهج قائم على التوازن والحكمة واستيعاب تعقيدات الداخل والخارج.

ومن هنا، يمكن فهم السياسة العُمانية، التي كثيرًا ما وُصفت بالعقلانية، فهي ليست حيادًا سلبيًا ولا ترددًا في اتخاذ المواقف، بل نهج قائم على التوازن وعلى قراءة دقيقة لتعقيدات المنطقة، فعُمان تدرك أن الانخراط في الصراعات قد يحقق مكاسب آنية لكنه يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها بينما يظل التوازن هو الخيار الأكثر استدامة.

وفي محيط إقليمي مليء بالتوترات، اختارت عُمان أن تبني علاقاتها مع جيرانها على أساس التعايش لا التنافس، فهي لا تبحث عن دور على حساب الآخرين، بل عن استقرار يشمل الجميع، وهذا ما جعلها قادرة على الحفاظ على علاقات متوازنة، حتى في أكثر الفترات تعقيدًا.

ولذلك، لم يكن اختيار عُمان وسيطًا في كثير من الملفات الإقليمية والدولية أمرًا جاء من فراغ، بل نتيجة تراكم طويل من الثقة والمصداقية، فعُمان لا تتحدث كثيرًا لكنها حين تتحرك تتحرك بثقل مستندة إلى رصيد من الحياد الإيجابي والقدرة على الاستماع وتقريب وجهات النظر.

وقد تجلت هذه الفلسفة بوضوح في مواقفها من القضايا الراهنة، سواء فيما يتعلق بما جرى في غزة، أو في رفضها للحرب على إيران، والاعتداء على سيادتها أو محاولة تغيير نظامها بالقوة، فهذه المواقف لا تنطلق من حسابات ظرفية، بل من قناعة راسخة بأن ما يحدث اليوم قد يفتح بابًا خطيرًا للفوضى، ويؤسس لسابقة في هذا العالم تقوم على فرض التغيير بالقوة، بعيدًا عن القانون الدولي والإجماع الإنساني.

وعُمان حين ترفض ذلك لا تدافع عن طرف بقدر ما تدافع عن الحق أينما كان وعن مبدأ يتمثل في أن استقرار الدول لا يُفرض من الخارج وأن سيادتها ليست محل مساومة.

وربما الأهم من ذلك، أن هذه المواقف لم تكن سهلة، فعُمان ليست قوة اقتصادية ضاغطة، ولا دولة تبحث عن استعراض نفوذ، ومع ذلك لم تُخضع مواقفها لحسابات الكلفة، ولم تُسلّم قرارها لأهواء أحد، بل اختارت أن تبقى ثابتة على نهجها، حتى وإن كان الطريق أكثر صعوبة.

وفي ظل ما تشهده المنطقة من تحديات، تبدو الحاجة ملحة لإعادة النظر في طريقة إدارة الخلافات، فالقوة الحقيقية ليست في فرض الواقع، بل في صناعة واقع مشترك، وما تحتاجه المنطقة اليوم ليس مزيدًا من الاصطفافات بل قدرًا أكبر من الحكمة، ومساحات أوسع للحوار.

وفي الختام، هذه عُمان.. لا تُقاس بحجمها، بل بما تختاره حين تشتد اللحظات، فقد اختارت أن تكون صوت العقل حين يعلو الضجيج، وجسرًا حين تُبنى الجدران، وموقفًا حين تتردد المواقف، وفي زمنٍ أصبحت فيه القرارات تُقاس بحسابات الربح والخسارة بقيت عُمان تُذكّر بأن هناك ما هو أكبر من المصالح الآنية.. هناك مبادئ إن سقطت سقط معها كل شيء وستظل عُمان -بإذن الله- حاضرة ولن ينطفئ ضوءها مهما تغيرت الأيام.

الأكثر قراءة

z