الصحفي.. تحولات المفهوم وسلطة التأثير

 

 

 

محمد بن علي بن سيف الجابري

king7mhmd@gmail.com

 

لقد تغيّر مفهوم الصحافة بين الأمس واليوم تغيرًا جذريًا، فرضته التحولات الاجتماعية والتقنية والفكرية التي شهدها العالم، خصوصًا بعد الألفية الجديدة. ففي الماضي، كان الصحفي يُعرَّف بأنه ذلك الشخص الذي يكتب في الصحافة المقروءة أو المكتوبة، أو من يُعدّ التحقيقات والتقارير عبر منصات الإعلام الرسمية المعتمدة. وكان الإعلام آنذاك قائمًا على الصوت الواحد؛ صوت الإعلام التقليدي، الذي لا يعلو فوقه صوت، ولا تنافسه كلمة.

كانت الصحيفة، والإذاعة، والتلفزيون، هي المصدر الأول وربما الوحيد لاستقاء المعلومات وتلمّس الحقائق. وبفضل هذه المركزية الإعلامية، كان بالإمكان توجيه الرأي العام والتحكم بدرجة كبيرة في توجهات الجمهور، سواء نحو قضايا سياسية أو اجتماعية أو فكرية، وفق ما يراه القائمون على الإعلام "الاتجاه الصائب".

وعبر محطات تاريخية متعددة، لعبت الصحافة دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الجمعي. فشهدت المجتمعات فترات انفتاح فكري، وأخرى عُرفت بفترة "الصحوة"، التي ارتفع فيها صوت الخطاب الديني، وبرزت نقاشات حول قضايا مثل الفنون والموسيقى والتحريم والإباحة. كما مرّ الشرق الأوسط بفترة القومية العربية؛ حيث علا صوت الوحدة وتوحيد الوطن العربي، وكانت الصحافة والإعلام آنذاك الأداة الأبرز في ترسيخ هذا الخطاب وبثّه للجماهير.

في كل تلك المراحل، كان للإعلام الكلمة الأعلى، وكان الصحفي يُعدّ صانع الرأي العام، والموجّه الأول لاتجاهات الجمهور.

لكن مع مطلع الألفية الجديدة، ولاحقًا ظهور وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، دخلت الصحافة التقليدية في مواجهة حقيقية مع واقع إعلامي جديد. في بدايات هذا التحول، نظرت وسائل الإعلام التقليدية إلى الإعلام الحديث باعتباره تهديدًا مباشرًا، بل واعتبرته في بعض الأحيان انتهاكًا لحرمة المهنة الإعلامية، وعدوًا للصحافة بمفهومها الكلاسيكي، وحاولت التشكيك في مصداقيته أو التقليل من أثره.

ومع ترسخ الإعلام الحديث، جاءت أحداث مفصلية كشفت بوضوح الفارق بين الإعلامين، ولعل حادثة 7 أكتوبر في غزة مثالًا بارزًا على ذلك. فقد كان للإعلام الحديث دور واضح في إيضاح حقيقة ما جرى، من خلال نقل الأحداث بشكل مباشر من الميدان، وتوثيقها بالصوت والصورة، وإيصال شهادات حية إلى العالم أجمع. وفي المقابل، افتقد الإعلام التقليدي في كثير من تغطياته إلى الصورة الكاملة، بل اتجه في بعض الأحيان إلى التعتيم أو التشويه أو تغيير سياق الحقيقة، ما أدى إلى اهتزاز الثقة به لدى قطاعات واسعة من الجمهور. وهنا، شكّل الإعلام الحديث طوق نجاة للحقيقة، إذ أتاح تعدد الروايات، وكشف التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، وأكد أن احتكار الحقيقة لم يعد ممكنًا في عصر الإعلام المفتوح.

ومع هذا التحول، لم تعد الحقيقة حكرًا على مؤسسة إعلامية واحدة، ولم يعد الرأي العام يُصنع من منبر واحد، بل أصبحت الحقيقة -كما يراها الناس ويتداولونها- هي من تصنع الرأي، وهي من توجه الوعي العام.

اليوم، نعيش في فضاء إعلامي مفتوح تتعدد فيه الأصوات وتتباين الاتجاهات؛ فهناك من يتبنى الفكر الديني، ومن يميل إلى الفكر الانفتاحي، وآخرون يتأثرون بأفكار غربية وشرقية مختلفة. وأصبحت هذه الأفكار تتدافع وتتقاطع بفعل وسائل الإعلام الحديثة، التي ألغت الحواجز بين المرسل والمتلقي.

لقد اختلف المفهوم وتبدّلت الأدوار؛ فأصبح كل كاتب إعلاميًا، وكل قارئ متلقيًا ومشاركًا، وكل من يظهر بصوت أو صورة عبر منصة رقمية يُعدّ جزءًا من المشهد الإعلامي. ولم يعد الصحفي وحده من يملك أدوات التأثير، بل بات التأثير موزعًا بين ملايين الأفراد.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف نُعرِّف الإعلام اليوم؟

ربما لم يعد هناك تعريف أدق من القول إن الإعلام هو التأثير والتأثر؛ من يملك القدرة على التأثير في الوعي العام، ومن يتشكل وعيه بدوره بما يُقدَّم له. وبين هذا وذاك، تبقى مسؤولية الصحفي الحقيقي قائمة، في الالتزام بالمهنية، والتحقق، والبحث عن الحقيقة، وسط ضجيج الأصوات وتزاحم المنصات.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z