ثقافة مشوهة

 

 

أنيسة الهوتي

 

لم أكن نشيطة منذ البداية على منصات التواصل الاجتماعي لظروفي الخاصة، ثم لأن التشوه الأخلاقي والثقافي الذي نراه فيه محزن جدًا، لا أكاد أطيقه حتى في بعض التغريدات والمنشورات الحرة أو المقتبسة، والمؤلم أكثر حين يغردها أو يقتبسها عقل مثقف وقلم كاتب.

ومن المنشورات المتداولة التي استفزتني مؤخرًا: البشرية تعاني لأنها من نسل القاتل قابيل.

وهنا أقول إن النظر في أصل الإنسان من منظور علمي وفلسفي يتطلب التحرر من التعميمات غير المبنية على دليل، والتمييز بين ما ثبت بالنقل الصحيح وما يُتداول بوصفه رأيًا أو فرضية. وهذه المقولة تفتقر إلى المنطق، لأنها تختزل تاريخًا إنسانيًا واسعًا في واقعة واحدة، وتغفل تعدد المسارات التي شكّلت النسل البشري.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، وهذه النفس الواحدة هي نبي الله آدم عليه السلام، الذي يُعد الأصل الأول للبشر جميعًا. كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، وهو تأكيد على وحدة الأصل الإنساني، لا على انحصار النسب في فرع معين.

وقد ورد في بعض الروايات أن آدم عليه السلام عاش عمرًا طويلًا، قيل إنه بلغ ألف سنة، وقيل 960 سنة، وقيل 940 سنة، مع وجود روايات تفيد بأنه أعطى ستين سنة من عمره لداود عليه السلام. وهذه الروايات تُذكر ولا يُجزم بها، لكنها تُظهر تصورًا عن امتداد عمره، وهو امتداد ينسجم منطقيًا مع نشوء أجيال متعددة خلال هذه الفترة الطويلة.

ومن الناحية العلمية، فإن النسل البشري يقوم على التفرع والتداخل عبر الأجيال، حيث يتكاثر الإنسان، وتتشابك الأنساب، وتندمج في شبكة معقدة يصعب حصرها في خط واحد. فكل جيل يضيف تنوعًا جديدًا، مما يجعل أي اختزال للبشرية في نسب واحد أمرًا يتعارض مع واقع التنوع الوراثي المعروف.

ومن جهة أخرى، فإن من منظور فلسفي، لا يُختزل الإنسان في نسبه، بل يُعرّف بوعيه واختياراته. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾؛ فالمعيار هنا قيمي أخلاقي، لا بيولوجي فقط. وهذا يعكس أن الهوية الإنسانية تتجاوز الأصل لتشمل الفعل والإرادة.

كما أن ذرية آدم عليه السلام لم تتوقف عند حادثة قابيل وهابيل، بل امتدت عبر فروع متعددة، ومنهم نبي الله شيث عليه السلام، الذي يُذكر في بعض الروايات كنبيٍّ صالح حمل مسيرة الهداية. وهذا يدل على أن مسار البشرية كان متنوعًا، وأن فيه الصالح والمصلح، وليس محصورًا في فرع واحد.

إن نسبة البشرية إلى قابيل فقط تمثل قراءة مبسطة للتاريخ، وجهلًا بالامتداد الواسع للذرية الإنسانية، وتغافلًا عن التداخل الكبير بين الأنساب عبر الزمن. فالبشرية في حقيقتها نسيج متكامل من التفاعل والتكاثر والتنوع، لا يمكن اختزاله في أصل واحد من جهة واحدة.

وفي ضوء ذلك، فإن الإنسان ليس مجرد امتداد وراثي، بل هو كائن يملك القدرة على الاختيار، وبناء هويته الفكرية والروحية. ومن هنا فإن الوعي بالذات الإنسانية يقتضي فهم الأصل، دون أن يُفرض على الإنسان أن يُحصر فيه، بل أن يُمنح فرصة لصياغة مساره بنفسه.

وفي الختام، فإن الإنسان يختار ماذا يكون، مثلما أنا اخترت أن أكون من نسل آدم، وليس من سلالة متطورة من القرود عندما كنا نناقش نظرية داروين مع بعض المفكرين الملحدين. وهنا أيضًا أنا أختار بأنني من نسل شيث عليه السلام، لا من ذرية قابيل، ردًا على المثقفين المشوهين فكريًا.

وهذا اختياري، وهذه هويتي التي أعتز بها.

 

الأكثر قراءة

z