حمد الناصري
تتمتع سلطنة عُمان بتكوين وتاريخ بحري عميق؛ حيث تشكل سواحلها الممتدة إلى مسافة 3165 كم على طول بحر عُمان، شمالًا وشرقًا وإلى بحر العرب والخليج العربي وتُعد هذه المسافة البحرية ركيزة هامّة وأساسية لهويتها الجغرافية والحضارية.
وقد ارتبط العُمانيون عبر التاريخ بالبحر، فكانوا بحارة وتجارًا ومكتشفين، وحوّلوا موقعهم إلى جسر للتواصل الحضاري والسلام، فبنوا أسطول بحري تاريخي قوي.. وكما هو معلوم أن أعماق بحار عُمان تحتضن طبقات جيولوجية تعود لملايين السنين، وتزخر بثروات هيدروكربونية واعدة تساهم في أمن الطاقة والاقتصاد الوطني.
ذلك الارتباط الوثيق عبر التاريخ ساهم في دورهم الملاحي وساهم في" التجارة البحرية" مع مختلف شُعوب العالم، وشكّل البحر جزءًا أصيلًا من هويّتهم وثقافتهم واقتصادهم وكوّنوا اسطولًا بحريًا، امتدّ إلى حضارات العالم منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد.
إنه إرثٌ أصيل غني بثقافته وتُراثه، نشروا الإسلام عبر تاريخهم البحري، حاملين إرثًا ثقافيًا من أمة عُمانية بحرية ضاربة أصالتها في جذور التاريخ العربي الأصيل، وهذه الصورة المُشرقة كانت حضارتهم عبر التاريخ.. وامتدت تجارتهم البحرية من مكران وجوادر جنوب وشرق إيران إلى الصين إلى شرق افريقيا، وفي جوادر خصوصًا تجد التراث والثقافة العمانية بارزة وواضحة لا تشوبها شائبة، وقد خضعت لحكم عُمان منذ 1784م إلى ان تنازلت عمها السلطنة لصالح باكستان في وقت قريب عام 1958 لأسباب سياسية مفصلية، كانت من اسبابها صراع على السلطة وتغييرات في نظام الحُكم، وقد أدت كل تلكم التغييرات السياسية إلى تغيير في خطط سياسية.. منها تنازل السلطنة عن جوادر وأمكنة أخرى على بحر العرب.
وكما هو معروف، أن العُمانيون اسسوا حضارتين على امتداد العصر الإسلامي، وبنوا حضارة بحرية في القرون الأربعة الأولى للهجرة النبوية الشريفة.. وصلوا إلى أوج نشاطهم البحري والثقافي والتجارة البحرية في شرق وجنوب آسيا على امتداد البحر العميق.. وتوسّعت تلك الفترة التجارية وانطلقت من مدينة صور البحرية ومن مدينة صحار التاريخية العمانيتين إلى الصين وشرق افريقيا، وبذلك ساهم العُمانيين في تأسيس امبراطوريتين بحريتين على مدى تاريخهم البحري العظيم.
إن إرث عُمان البحري مكّنها من الاشراف على بحر عُمان من الشمال "الجزء الجنوبي لمضيق هرمز " وامتدادًا إلى البحر الواقع قُبالتها على واجهتها الشرقية امتدادًا إلى ساحل ضلكوت العُمانية الواقعة في أقصى جنوب غرب محافظة ظفار الاصيلة إلى حدود اليمن وبحر العرب.. تراث بحري ضارب في القِدم يمتد إلى أكثر من 3165 كيلو مترًا. أصالة تاريخية ربطت ماضي سلطنة عُمان بتاريخها الحاضر المُشَرّف.
ولا غرو أن سلطنة عُمان تُتقن التعامل مع الاوضاع الراهنة وفق مصالحها واحترام جوارها، وتعلم يقينًا أنّ تشابك الرؤى السياسية واختلاف الأفكار وتشتت التفاهمات يودي إلى عدم التقارب لضرورة مبعث الاختلاف الفكري، ولذا فإنّ الحكمة العمانية الأريبة ترى أن الثبات قرار والقُدرة تسامح لا ضعف فيها، فالقول الثابت تدبير والحكمة رشاد واختيار السلام استقرار.. والصُمود أداة فعّالة للتعبير عن الثقة لتحييد التهديدات، وعدم التصعيد في مواقف لا اختيار لها فيها لا تعني أنها تبعية لاحد، إنما هو قرار وثبات.
ومن هذا المنطلق، تجنح عُمان إلى السلام وإلى نبذ الخِلاف المُستمر، فمنذ تاريخها المكين لا تميل إلى تحالفات مُتصدعة ولا إلى نزاعات إقليمية متصارعة او تحالفات سياسية أو عسكرية، إنما مبدأها يقوم على الحوار ونهجها يلتزم الحياد الإيجابي.. وذلك لا يعني ضعفً؛ بل هو قوة وتمكين واستقرار.. وكُل حادثة سياسية مُتصدعة تجد عمان ظاهرة يقينية ولها فيها نهج الاستباقية، تبحث عن حلول ومخارج فيها صواب.. وتتواصل ليل نهار بلا كلل أو ملل من أجل تحقيق الأمان للإنسانية وليس ذلك تنازلًا أو ضعفًا، ولكنها ترى بأنّ النزاعات لا تبني الأوطان وأن الخصومات لا تحقق السلام.. والسعي إلى السّلم تكوين وتعايش واستقرار.
إنّ سيادة أراضي سلطنة عُمان خط أحمر لا تنازل فيها ولا ارتخاء، والتراخي ليس سُؤددًا ولا رشاد، ولكن قيادة عُمان الأريبة ترى أن الصّرامة الزائدة لا ترتبط بالحق دومًا، فالقيمة الحقيقية تكمن في الأثر الجميل.. ولذا فإنّ التجاوزات في قِيَم سياسة عُمان مرفوضة إذا تعارضت مع القانون الدولي ومبادئ الاحترام وتحقيق السلام بين الدول.
وكما هو معلوم أنّ مضيق هرمز، ماءً ويابسة وجبال وصخور، يقع ضمن التبعية العُمانية وتمتد مياههُ البحرية إلى جهة البحر المفتوح، عبر سواحل عُمانية طويلة ابتداءً من رؤوس الجبال (محافظة مسندم) إلى ولاية صرفيت، بمحافظة ظفار، مرورًا بالبحر العميق (الجهة الشرقية الجنوبية) مصبّ البحار الستة العميقة والتقاءً ببحر العرب.. ولا تزال تلك المياه العميقة لم تُعَرّف كمياه عُمانية أو محيط بحري عُماني يُعرف بها.
خلاصة القول.. بما أنّ جزيرة هورموز، جزيرة بحرية صغيرة، تتبع محافظة هرمزجان أو هورمزكان. الإيرانية فإن اسم هورموز بالفارسية، تعني إله الحكمة والنور في الديانة الزرادشتية.
وعليه نقترح تعديل مُسمى مضيق هرمز، إلى رأس مسندم أو "مضيق مسندم" أو رُؤوس الجبال "مسندم الحالية" وهو الاسم المحلي المُتداول قديمًا، وهذا التعديل في جوهره، وفي حدّ ذاته تسهيل للتعريف المباشر بالتبعية الإدارية للمياه البحرية العُمانية، لكون المضيق واقع في قلب الخليج العربي وهو المدخل البحري الأساسي لدول الجزيرة العربية ويُعد شريان حيوي لاقتصاد المنطقة وتمر عبره أهم طاقة العالم. وطالما أنّ الممر المائي "المضيق" يقع ضِمن المياه البحرية المحلية والإقليمية لسلطنة عُمان، فإن القيام بتعديل اسم فاعل للمر المائي "مضيق مسندم" يأتي تأكيدًا لتبعية المياه البحرية الإدارية للسلطنة، وقد يغني الاسم الجديد للمضيق عن التسمية الفارسية الأصل.
