د. مجدي العفيفي
ما كتبه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية العُماني في مقاله بمجلة «الإيكونوميست» البريطانية تحت عنوان :«على أصدقاء أمريكا مساعدتها على الخروج من حرب غير قانونية»، وذلك يوم الأربعاء 18 مارس 2026، ليس مقالًا عابرًا؛ بل نصّ دبلوماسي مُشفّر عالي الكثافة، يُكتب بلغة هادئة لكنه يحمل في داخله شحنة تفكيكية للنظام الدولي كما يُدار اليوم.
هو نصّ “وسيطٍ غاضب”.. لا يصرخ، لكنه يُدين، ويكشف، ويُلمّح إلى ما لا يُقال رسميًا.
لندخل إلى طبقاته العميقة، لا كقراءة خبرية، بل كـ تشريح بنيوي للدلالات الخفية:
أولًا: تفكيك الجملة المفتاح:
"على أصدقاء أمريكا مساعدتها على الخروج من حرب غير قانونية".. هذه ليست نصيحة، هذه إدانة مُبطّنة لواشنطن من داخل دائرة “الأصدقاء”.
أمريكا لم تعد “قائدة النظام” بل طرفًا يحتاج إنقاذًا من حلفاء لم يعودوا تابعين، بل أوصياء عقلانيين على قوة فقدت توازنها. وكلمة غير قانونية هنا ليست توصيفًا قانونيًا فقط؛ بل نزع للشرعية الأخلاقية عن الفعل الأمريكي، وهذا تحول خطير: من الهيمنة المُبرَّرة إلى القوة المنفلتة التي يجب احتواؤها.
ثانيًا: حين يقول: "ضربة عسكرية غير قانونية على السلام الذي بدا ممكنًا"؛ فهو لا يتهم فقط بالتصعيد؛ بل يقدّم رواية بديلة، والدلالة هنا: لم تكن هناك أزمة حتمية، بل فرصة سلام تم قتلها عمدًا.. الضربة لم تستهدف إيران؛ بل استهدفت المسار التفاوضي نفسه..
وهنا أخطر ما في النص: إسرائيل (ومعها أمريكا) لا تُدير صراعًا… بل تُفشِل حلولًا!
ثالثًا: إعادة تأطير الرد الإيراني؛ إذ إن وصفه للرد الإيراني بأنه: "حتمي... عقلاني... رغم أنه غير مقبول"، هذه صياغة شديدة الذكاء: ماذا يفعل هنا؟ يرفض الرد ظاهريًا (لحفظ التوازن الدبلوماسي)، لكنه في العمق: يُضفي عليه منطقيةً؛ أي أنه يقول ضمنيًا: "ما حدث كان نتيجة متوقعة لسلوك غير مسؤول من الطرف الآخر".
وهذا نقل خطير: من إدانة إيران إلى فهم دوافعها.. من "فاعل عدواني" إلى "فاعل مُستدرَج"!
رابعًا: الانقلاب على مفهوم “الحماية الأمريكية”
النقطة الأخطر في المقال هي: “التعاون الأمني مع الولايات المتحدة أصبح مصدر هشاشة”، وهذه جملة زلزالية في قاموس الخليج. ومعناها الحقيقي أن المظلة الأمريكية لم تعد حماية؛ بل خطرًا مُنتجًا التحالف مع واشنطن: لم يعد ضمانة استقرار، بل مولّد تهديدات، وهنا نلمس تحوّلًا استراتيجيًا: من الاعتماد الأمني إلى القلق من الحليف نفسه.
خامسًا: الاقتصاد كضحية للحرب العبثية
عندما يربط مضيق هرمز وأسعار الطاقة ومراكز البيانات والسياحة والطيران؛ فهو يعيد تعريف الحرب.. إنها ليست حرب صواريخ؛ بل حرب ضد نموذج الخليج المستقبلي، أي أن الرصاصة لا تُصيب الجندي فقط؛ بل تُصيب الاستثمارات والتحول الاقتصادي ومشروع "ما بعد النفط".
سادسًا: أخطر اتهام مبطن هو فقدان السيطرة الأمريكية، عندما قال "فقدان أمريكا السيطرة على سياستها الخارجية". وهذه ليست جملة تحليلية؛ بل اتهام جيوسياسي ثقيل.
ماذا تعني؟!
تعني أن القرار الأمريكي لم يعد سياديًا بالكامل؛ فهناك قوى تدفعه، في إشارة واضحة لإسرائيل دون تسميتها مباشرة.
واشنطن لم تعد تقود؛ بل تُقاد! هذه الحقيقة التي يجب أن تُقال.
هنا يصل النص إلى ذروته، من خلال تفكيك صورة "الدولة العظمى العاقلة".
سابعًا: إسرائيل كفاعل مُغامِر بلا سقف. النص يرسم إسرائيل كالتالي: تسعى لإسقاط النظام الإيراني، لا تهتم بمرحلة ما بعد السقوط، تُقنع أمريكا بسيناريوهات وهمية (استسلام سريع).
الدلالة هنا إسرائيل ليست حليفًا تكتيكيًا؛ بل مُحرّك تصعيدي يدفع نحو الفوضى.
ثامنًا: دعوة "إنقاذ أمريكا": انقلاب رمزي في النظام الدولي.
والسؤال: "ماذا يمكننا أن نفعل لانتشال هذه القوة العظمى؟". هذا التعبير وحده يكفي لفهم المقال كله!
المعنى العميق: أمريكا لم تعد المنقذ؛ بل الغريق.. النظام الدولي لم يعد أحادي القيادة!
الحلفاء- والخليج خصوصًا- أصبحوا فاعلين عقلانيين يسعون لضبط الفوضى الأمريكية.
تاسعًا: الحل المطروح — ليس سلامًا تقليديًا؛ إذ إن المقال لا يدعو فقط لوقف الحرب، بل يقترح:
1- ربط النووي بالتحول الطاقي: أي نقل الصراع من عسكري إلى تنموي.
2- مسار إقليمي شامل: من خلال تقليل احتكار أمريكا وإسرائيل للملف.
3- شفافية نووية: عبر بديل ذكي عن نزع السلاح قسريًا.
4- معاهدة عدم اعتداء: ما يعني إعادة هندسة الأمن الإقليمي.
عاشرًا: الدور العُماني - من وسيط إلى مهندس نظام
عُمان هنا لا تعرض وساطة فقط؛ بل تطرح نفسها كعقل هندسي للنظام الإقليمي القادم.
الخليج لم يعد ساحة صراع؛ بل منصة لصياغة حلول.
وثمة طبقة عميقة جدًا في النص؛ حيث يؤكد هذا المقال- دون أن يقولها صراحة- أن العالم لم يعد يخشى إيران بقدر ما بدأ يخشى القرارات الأمريكية حين تُختطف، والحروب حين تُدار بلا عقل، والحلفاء حين يتحولون إلى عبء.
وما يقترحه السيد بدر في جوهره ليس إنقاذ المنطقة من الحرب؛ بل إنقاذ النظام الدولي من اختلال مركزه.
الخلاصة التي يتركها النص- دون التصريح بها- قاسيةٌ وواضحةٌ: لم يعد الخطر الأكبر في طموحات إيران؛ بل في حروب تُدار بلا أُفق، وقرارات تُتخذ بلا سيطرة، وتحالفات تتحول إلى أعباء.
ما يُخبرنا به السيد بدر- في جوهره- ليس دعوة لوقف الحرب فقط، وإنما دعوة إلى ما هو أعمق بكثير: إعادة ضبط ميزان العقل في عالمٍ بدأ يفقده من مركزه، وليس من أطرافه، وهنا مكمن الخلل!
