عبدالنبي الشعلة **
في خضم المأساة التي يعيشها جنوب لبنان اليوم، وما تكشفه من تعقيدات العلاقة بين الدين والسياسة، تتجدد أسئلة مهمة، وبقوة، في منطقتنا الخليجية مع التطورات الخطيرة التي تشهدها المنطقة نتيجة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
فقد امتدت نيران هذه المواجهة إلى دول الخليج، ومنها البحرين، عبر هجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة استهدفت أراضيها واقتصادها وأمنها واستقرارها. وفي مثل هذه اللحظات الفاصلة، يصبح واجب الولاء الوطني واضحًا لا لبس فيه، ويصبح من الطبيعي أن يقف جميع أبناء الوطن، سنةً وشيعةً، صفًا واحدًا في التنديد بهذه الاعتداءات والدفاع عن أوطانهم، وأن يدرك الجميع أن الولاء والانتماء الوطني يجب أن يرتفع فوق كل اعتبار وفوق كل ولاء آخر.
إن أنظار العالم اليوم تتجه إلى لبنان، البلد الصغير الذي كان يومًا يُعرف بـ"سويسرا الشرق"، فإذا به يتحول في العقود الأخيرة إلى ساحة صراع إقليمي ودولي تتداخل فيه المصالح والحسابات والأيديولوجيات.
وما يعتصر القلوب في المشهد اللبناني ليس حجم الدمار وحده، بل المعاناة الإنسانية التي يعيشها الناس، من ضحايا وجرحى ونازحين، ومن خوف وقلق يطال مستقبل بلد بأكمله. ولعل أبناء الطائفة الشيعية في جنوب لبنان ومناطقه المختلفة هم، اليوم، من أكثر من يدفعون ثمن هذه المواجهة، بعدما أصبحت مناطقهم ساحة رئيسية للصراع الدائر.
فالدمار الذي يلحق بالمناطق الجنوبية اللبنانية اليوم، كما في السابق، وسقوط الضحايا، وتشريد آلاف العائلات، كلها مشاهد موجعة لا يمكن لأي عربي أو مسلم أن يقف أمامها دون ألم أو تعاطف. لكن المأساة اللبنانية تحمل أيضًا دروسًا قاسية، ليس للبنانيين وحدهم، بل لكل المجتمعات العربية والإسلامية، ومنها مجتمعات الخليج العربي؛ وأود أن أتوجه في هذا المقام إلى المجتمع الشيعي في البحرين.
ومن بين أهم هذه الدروس خطورة تسييس الدين أو المذهب وتحويل أي منهما من رسالة روحية وأخلاقية سامية إلى مشروع سياسي أو أداة للسلطة والسيطرة والتوسع.
ويخبرنا التاريخ أن هذا الميل لم يقتصر على الإسلام وحده، بل عرفته معظم الأديان. فاليهودية، على سبيل المثال لا الحصر، تحولت في سياقات معينة إلى قومية سياسية امتزجت بالأيديولوجية الصهيونية، وأصبحت تُستدعى فيها السرديات الدينية لتبرير مشاريع سياسية وتوسعية.
إن التراث الديني، في كل الأديان، يمتلك جاذبية هائلة عندما يُستنهض إلى المجال السياسي؛ فهو قادر على تعبئة المشاعر، وإضفاء الشرعية على المشاريع السياسية، وإقناع الأتباع بأنهم لا يخوضون مجرد صراع سياسي، بل يؤدون واجبًا دينيًا أو رسالة مقدسة.
ولم يكن التراث الإسلامي بمنأى عن هذه الظاهرة.
فعلى المنصة السُنِّيَّة، شهد العصر الحديث محاولات عديدة لتسييس الدين، لعل أبرزها ما قامت به جماعات الإسلام السياسي التي سعت إلى تحويل الخطاب الديني إلى مشروع للسلطة.
أما على الجانب الشيعي، فقد كان الوضع مختلفًا نسبيًا لقرون طويلة بسبب نظرية “الانتظار” في الفقه الشيعي الاثني عشري، التي تقضي بأن مشروعية الحكم لا تتحقق إلا بظهور الإمام المعصوم الغائب، ولذلك لم يكن من المشروع، في نظر كثير من الفقهاء، إقامة سلطة سياسية باسم الدين قبل ذلك.
غير أن هذه القاعدة بدأت تتغير في القرن التاسع عشر مع طرح بعض الفقهاء، ومنهم الشيخ الإيراني أحمد النراقي، لفكرة "ولاية الفقيه" في صورتها المشروطة أو المحصورة. ثم جاء الإمام الخميني، الإيراني أيضًا، في القرن العشرين ليطور هذه الفكرة إلى صيغة أوسع عُرفت باسم “ولاية الفقيه المطلقة” أو العامة، وجعلها أساسًا لنظام الحكم الذي نشأ في إيران بعد الثورة الإسلامية عام 1979.
وليس سرًا أن هذه النظرية لم تحظ بإجماع الشيعة في العالم، بل بقيت محل نقاش وخلاف بين كثير من علمائهم ومراجعهم؛ فقد رفض قبولها معظم كبار مراجع الشيعة العرب، إلا أن الظروف السياسية والاجتماعية التي عاشها شيعة لبنان، ولا سيما في الجنوب المحاذي لإسرائيل، ساهمت في انتشار هذه الفكرة بين الكثير منهم بعد الثورة الإيرانية، خصوصًا مع الدعم السياسي والعسكري الذي قدمته إيران بسخاء لحزب الله.
وهكذا نشأ في لبنان واقع معقد، أصبح فيه حزب مسلح، يدين بالولاء الديني والسياسي لسلطة الولي الفقيه في طهران، ويمتلك نفوذًا عسكريًا وسياسيًا كبيرًا إلى درجة وصفها كثيرون بأنها “دولة داخل الدولة”. وقد لعب الحزب دورًا مهمًا في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في مراحل معينة، لكن تضخم قوته العسكرية وتداخله العميق مع صراعات المنطقة أدخلا لبنان في معادلات إقليمية تفوق قدرته كدولة صغيرة.
والنتيجة التي نشهدها اليوم مؤلمة للجميع؛ فلبنان يدفع ثمن صراعات أكبر منه، وأبناء الجنوب اللبناني، الذي يشكل الشيعة غالبيتهم العظمى، يدفعون ثمنًا مضاعفًا من أمنهم واستقرارهم وأرزاقهم. ومهما اختلفت القراءات السياسية، فإن الحقيقة الواضحة هي أن الدولة عندما تضعف، وتصبح الجماعات المسلحة أقوى من مؤسساتها، وتدين بالولاء لجهات خارجية، فإن المجتمع برمته يصبح رهينة وعرضة للفوضى والانقسام والدمار، وهذا ما واجهه المجتمع العراقي أيضًا.
هذه التجربة اللبنانية، بكل ما تحمله من تعقيدات ومآسٍ، تستحق التأمل العميق في كل مكان. وهي تحمل رسالة خاصة إلى أولئك القلة من أبناء الطائفة الشيعية في البحرين أو غيرها ممن انحرفوا وراء أفكار جعلت ولاءهم السياسي مرتبطًا بمشاريع عابرة للحدود بدل أن يكون راسخًا في أوطانهم.
فالتنوع المذهبي أو الديني أمر طبيعي في كل المجتمعات، بل قد يكون مصدر ثراء ثقافي وروحي. لكن الوطن يظل الإطار الجامع الذي يحمي الجميع، ولا يمكن لأي مجتمع أن يستقر إذا تنازعت الولاءات فيه بين الداخل والخارج.
لقد عَرفت البحرين، عبر تاريخها الطويل، نموذجًا فريدًا من التعايش بين مختلف المذاهب والطوائف، وكان هذا التعايش أحد أهم أسرار استقرارها واستمرارها. ومن هنا فإن الحفاظ على هذا الإرث الوطني مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع دون استثناء.
إن ما يجري في لبنان اليوم يجب أن يُقرأ كدرس قاسٍ في التاريخ السياسي المعاصر:
عندما تختلط الحدود بين العقيدة الدينية والمشروع السياسي، وعندما تضعف الدولة أمام قوى موازية لها، فإن الثمن يدفعه المواطن البسيط قبل غيره.
ولهذا فإن الرسالة التي يمكن أن تصلنا من شيعة لبنان اليوم ليست رسالة سياسية بقدر ما هي رسالة إنسانية ووطنية عميقة وهي: أن الوطن، بكل مكوناته، يجب أن يبقى فوق كل ولاء آخر، فالدين يبقى لله، أما الوطن فهو بيت الجميع.
** كاتب بحريني
