مدرين المكتومية
نستيقظ صباحًا على احداث متتالية، لا نكاد ننتهي من كتابة خبر حتى يصل الينا خبر آخر، تفجير هنا، ومُسيّرات هناك، واطلاق صواريخ في الضفة الاخرى، ووفيات في احد المواقع، وغيرها من الاخبار الدموية المؤلمة، وكل ما يحدث امامنا هو شيء لم نتوقعه او نتكهن به، وهو ما يجعلني افكر في مقولة كنت اسمعها من جدي رحمة الله عليه "من لا يرى ويتصفح ويقرأ ما وراء الحدث، سيبقى أسيرها دائمًا"، واليوم عندما كبرت فهمت ما يقصده؛ فهي دروس في فهم الماضي واستشراف المستقبل؛ فالحكمة الحقيقية ليست في ردات الفعل بقدر ما هي في امكانية التوقع.
اليوم ونحن نعيش منعطفًا صعبًا في هذه المنطقة التي أصبحت تعج بالتوترات والحروب والصراعات التي لا تتوقف، وحتى التي لا يمكن لنا معرفة توقيت توقفها بالضبط، باتت هناك حاجة ماسة جدًا لإنشاء "مركز بحوث ودراسات استراتيجية"، وقد تحدثتُ عن هذا الأمر في مقالات سابقة؛ لما يُمثِّله من أهمية قصوى تظهر عند الأزمات بصورة كبيرة، ويمكنها أن تحل الكثير من التحديات التي قد تواجه أي مجتمع من المجتمعات. وجود هذا المركز يعني أنه يجب أن يكون فاعلًا بشكل مستمر ودائم وينقل الأحداث بصورة متواصلة ويصيغ السيناريوهات داخليًا وخارجيًا وفق ما تمر به المنطقة، ومن ثم فهو ضرورة لا ترفًا، لأننا نعيش وسط عالم لا يمكن إداراته فقط بالآراء والانطباعات اللحظية أو الانفعالية، وإنما بالتحليل العميق والمتوازن، وبالقراءة الدقيقة للمعطيات والمقدمات، ومن ثم استشراف النتائج، ووضع السيناريوهات المبنية على علمٍ ومعرفةٍ ودراسةٍ كافيةٍ.
وبالرغم من كثرة المُحلِّلين والأصوات التي تتحدث بصوت عالٍ وتملأ المشهد الإعلامي في هذا الوقت، إلّا أن هذا الزخم لا يُغني أبدًا عن حاجتنا لمؤسسات متخصصة تضم مجموعة كبيرة من الدارسين والخبراء الذين يعملون وفق أُطرٍ علمية ومنهجية واضحة، والذين تعلموا ودرسوا في مختلف الشؤون الدولية كلٌ في تخصصه. الفارق بالطبع سيكون كبيرًا بين رأي فردي وبين تحليل مؤسَّسي مبني على دراسات وبيانات وتفاصيل وخبرة متكاملة؛ الأمر الذي يُبرز أهمية وجود كفاءات تنتمي لمراكز بحثية قادرة على إنتاج معارف رصينة، لا مجرد تعليقات على ما يحدث وما يدور حولنا، وهو ما يُعزز أهمية تبني مجموعة من الخريجين وابتعاثهم لمختلف الدول، من أجل التخصص في شأن بلد بعينه، وبعد انتهاء تعليمه بشكل كامل يكون الضوء عليه هو، ليقود هذا الأمر، ومن ثم يكونون هم الأجدر والأقدر على كتابة التحليلات العميقة حول مجريات الأحداث، وفق ما تعلموه طوال فترات دراستهم من البكالويوس إلى الدكتوارة، وبذلك لا يكون هذا المركز مجرد مركز بحوث ودراسات استراتيجية، وإنما أيضًا مركزٌ لبناء القدرات العُمانية التي يمكنها أن توصل صوت عُمان المتوازن في أنحاء العالم.
إنَّ وجود مركز مُتخصِّص في الدراسات الاستراتيجية يعني قدرتنا على امتلاك فهم ما يدور خلف الكواليس، ويُساعدنا على تحليل اتجاهات الصراعات، ويُمكِّنا من استشراف ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع، فهذا المركز يمكنه أن يؤدي دورًا محوريًا في أوقات الأزمات؛ إذ لا يكتفي برصد الأحداث؛ بل يساهم في صياغة ما يجب اتخاذه من إجراءات وخيارات من خلال وضع البدائل المناسبة أمام صانع القرار وفق رؤى مدروسة.
أمَّا على المستوى الداخلي، يُسهم هذا المركز في بناء كفاءات وطنية قادرة على التفكير الاستراتيجي وصناعة القرار؛ فهو يعمل على تهيئة جيل الخبراء والباحثين والدارسين ممن يمتلكون أدوات التخطيط والتحليل وتوفير النتائج وفق منهجية معينة يستطيعون من خلالها دعم صناع القرار برؤى واضحة ومبنية على أسس علمية متينه، كما يساهم في تعزيز ووضوح الموقف العُماني، بحيث يكون قائم على معرفة دقيقة لا على ردود أفعال آنية.
وأمَّا على المستوى الخارجي، فإن وجود مركز قوي يعزز من حضور عُمان في المشهد الدولي، فهو بالتأكيد يدعم الخطاب السياسي المتوازن والرصين لسلطنة عُمان، ويعكس نهج عُمان القائم على الحكمة والحياد الإيجابي، ويسهم في دعم جهود التفاوض والسلام، كما إنه يمنح المعنيين قدرةً أكبر على قراءة مواقف الدول الأخرى المحيطة بنا وتلك البعيدة عنا، والتفاعل معها بذكاء ومرونة.
إنَّ سلطنة عُمان بتاريخها الدبلوماسي العريق بحاجة اليوم إلى مؤسسات علمية فاعلة تدعم هذا الإرث وتطوره وفق أدوات العصر الحديث وحسبما تقتضيه اللحظة؛ فالمواقف الواضحة لا تُبنى فقط على النوايا وإنما بالمعرفة الفعلية والقدرة والتحليل، ولا ريب أن إنشاء مركز البحوث الاستراتيجية سيكون عين الدولة التي ترى تستشرف وترى المستقبل قبل أن يقع، وهو عقلها الذي يختار الطريق والمسار الذي نسلكه وسط الأزمات الصعبة.
