أ.د. هشام البحيري
من الطبیعي جدًا أن يستخدم الفرد في أي مكان بالعالم الھاتف الجوال في التواصل مع أي شخص آخر، بغض النظر عن مكان أي منهما على ھذا الكوكب، وفي كل یوم تستخدم ھاتفك الجوال، فإنك بذلك تعقد صفقة ضمنیة مع الشركة مقدمة خدمة الاتصالات، مفادھا: "أرغب في إجراء واستقبال المكالمات، وفي المقابل سأسمح لھذه الشركة بمعرفة مكاني على مدار الساعة".
ربما ترى أنھا صفقة رابحة ولا بأس بھا؛ فالھواتف الجوالة مھمة في حیاتك، وھي لن تعمل ما لم تعرف شركات الاتصالات مكانك. ھذا یعني ببساطة أن ھذه الشركات تبقیك تحت رقابتھا طیلة الوقت! إنھا صناعة بأكملھا قائمة على تتبع مكانك لحظة بلحظة، فشركات الاتصالات تتتبع ھاتفك لتعرف المتاجر التي تقصدھا، وأسلوبك في التسوق، وخط سیرك، ومدى قربك من متجر بعینه لتبعث لك برسائل إعلانیة حسب المكان الذي توجد فیه في تلك اللحظة.
ولا تقتصر عملیة تتبع اتصالاتك على تحقیق أھداف تجاریة فحسب، بل تمتد لتشمل أھدافًا أمنیة. فمثلًا: تستخدم وكالة الأمن القومي الأمریكیة ونظیرتھا البریطانیة بیانات الاتصال المكانیة لتعقب المستخدمين، وتجمع الأولى ھذه البیانات من مصادر عدة، مثل: أبراج الشبكات التي یتصل بھا الھاتف، ومواقع شبكات ”واي فاي“ التي تَلِج الھواتف الجوالة عبرھا للإنترنت، والبیانات المكانیة الصادرة عن تطبیقات تحدید المواقع المتاحة على الإنترنت للجمھور.
والصفقة التي تعقدھا كل یوم مع شركات الاتصالات تنطوي على خضوعك للمراقبة مقابل حصولك على خدماتھا. المشكلة أن ھذه الصفقة لیست رابحة أو عادلة بأي حال من الأحوال؛ فھي تنقلنا إلى مستوى جدید من عملیات مراقبة الأشخاص التي قد تقوم بھا الحكومات أو المؤسسات بمنتھى السھولة. ومراقبة الأشخاص أمر خطیر للغایة، لأنھا تسھِّل التفرقة بین الأشخاص الخاضعین للمراقبة حسب العِرق، أو الدین، أو الطبقة الاجتماعیة، أو حتى المعتقدات السیاسیة، دون أن تتاح للشخص أیة طریقة تمكِّنه من تجنب الخضوع لھذه المراقبة. لذلك نحتاج معالجة المسألة بأسرع وقت ممكن.
ولا شك أن أجهزة الكمبيوتر تنتج الكثير من البیانات بشكل دائم ومستمر، وھذه البیانات ھي أساس مدخلاتھا ومخرجاتھا، وأیضًا النتیجة الثانویة لأیة عملیة تنفذھا. ومن الطبیعي أن یوثِّق حاسوبك باستمرار كل ما تقوم به وعندما تتصل بالإنترنت یتضاعف حجم البیانات التي ینتجھا جھازك: سجلات المواقع الإلكترونیة التي تزورھا، والإعلانات التي تشاھدھا، والكلمات المفتاحیة التي تكتبھا.
ویومًا بعد یوم یزید تواصلنا مع عائلاتنا وأصدقائنا وزملائنا ومعارفنا عبر الإنترنت باستخدام البرید الإلكتروني والرسائل النصیة ومواقع التواصل الاجتماعي. النتیجة الثانویة لكل ھذا التواصل والتفاعل الاجتماعي الإلكتروني ھي البیانات.
ولا شك أن ھذه الأدوات لا تنقل البیانات فحسب، وإنما تُنشئ سجلات بیانات دقیقة لكل تعاملاتك عبر الإنترنت، فتكون المحصلة النھائیة اتصالك بمئات الأجھزة یومیًا، وكل جھاز منھا ینتج كثیرًا من البیانات، القلیل منھا مُثمر ومُفید حقًا، أما أغلبھا فھو بیانات وصفیة، وكما یوحي الاسم فھي بیانات تصف بیانات أخرى: معلومات تستخدمھا أجھزة الكمبیوتر لتشغیل أنظمتھا، أو بیانات ناتجة عن عملیات التشغیل. في نظام الرسائل النصیة مثلًا، تعتبر الرسائل نفسھا بیانات، أما الحسابات التي ترسل أو تستقبل الرسالة، وتاریخ وتوقیت الرسالة، فتندرج تحت قائمة البیانات الوصفیة. وقد تبدو البیانات الوصفیة غیر مھمة، لكنھا عكس ذلك تمامًا.
وتعتمد مراقبة الإنترنت على استغلال فكرة حزمة البیانات أو ملف التعریف "Cookie"؛ فالمواقع الإلكترونیة بطبیعتھا، لا تتذكرك في كل مرة تزورھا أو تتعرف علیك من تعاملاتك علیھا، لكنھا تتخطى ھذه المشكلة من خلال ملف تعریف الارتباط؛ فكل ملف یحتوي على رقم فرید من نوعه یتیح للموقع التعرف علیك.
أنت مثلًا عندما تزور الموقع الإلكتروني لمتجر ما، تظل تخبر الموقع في كل نقرة أو أمر: ”أنا العمیل رقم 608431“، وھذا الرقم سیمكِّن الموقع من العثور على حسابك لديه، ومن ربط سلة التسوق الخاصة بك بھذا الحساب، ومن تذكرك في المرة القادمة عندما تزوره.
وسرعان ما لاحظت المؤسسات أن بإمكانھا وضع ملفاتھا للارتباط على صفحات مواقع إلكترونیة تابعة لجھات أخرى- بإذن ھذه الجھات، مع دفع رسوم مقابل ھذا الامتیاز- لتخرج إلى النور ما یعرف بـ"ملفات الارتباط للطرف الثالث".
ولا شك أن تطور ھذا الأسلوب لیتحول إلى منظومة مراقبة واسعة وقویة ومربحة إلى حد مذھل؛ فلقد أصبح بإمكان العدید من شركات تجمیع وتوظیف البیانات تعقبك من خلال كل موقع تزوره على الإنترنت.
"جوجل" مثلًا تتعقبك عبر (Google Analytics)، ففي كل موقع تزوره یحمل علامة ”جوجل بلس“ 1+ أو یستخدم أدوات ”جوجل“ التحلیلیة.
إن الأضرار الناجمة عن مراقبة المستخدمين كثیرة، والتكلفة التي یتكبدھا الأفراد والمجتمع كنتیجة لھذه المراقبة تفوق فوائدھا بشكل ھائل؛ لذلك علینا أن نفعل شیئًا لكبح جماح ھذا الاتجاه المتطرف، وسنبدأ ببعض المبادئ العامة. وغالبًا ما تكون الحجة "الأمن في مقابل الخصوصیة". وتفرض علینا ھذه الرؤیة البسیطة أن نفاضِل بین أمرین: أولًا: إما أن نضحي بخصوصیتنا ونخضع أنفسنا للمراقبة حتى نصبح آمنین. وثانيًا: أن نحصل على قدر معقول من الخصوصیة في مقابل التضحیة بالعیش في أمان.
تلك المفاضلة باطلة وغیر صحیحة؛ فالخصوصیة والأمان مبدآن متسقان ومتكاملان، ولیسا متضادین كما یظن البعض، فنحن عندما نفقد الخصوصیة نشعر بالضعف، وبأننا معرضون للخطر، وبالتالي یقل إحساسنا بالأمان.
وبنفس المنطق إذا لم تكن اتصالاتنا وسجلاتنا الشخصیة مؤمنة، ستُنتقص خصوصیتنا.
وعندما تظھر مفاضلة الأمن في مقابل الخصوصیة باعتبارھا مسألة حیاة أو موت، ینتھي أي جدال منطقي محتمل.
كیف یمكن لأي شخص أن یتحدث عن الخصوصیة إذا كانت حیاته على المحك؟ والأشخاص الخائفون أكثر استعدادًا للتخلي عن خصوصیتھم؛ لیشعروا بقدر أكبر من الأمان. ھذا یفسر السبب وراء عدم معارضة الشعب الأمریكي لتصرف الحكومة الأمریكیة بحریة شدیدة في إجراء عملیات مراقبة موسعة لقطاع كبیر من الأمريكيين عقب أحداث 11 سبتمبر 2001.
المشكلة أن فكرة الحفاظ على الأمن تُستخدم كتبریر للاختراق التدریجي للخصوصیة، وبالتأكید ھي فكرة مخادعة، فلیس حل كل المشاكل الأمنیة ھو المراقبة. فنحن لن نمنع وقوع تفجیر نووي إذا راقبنا كل الأشخاص، كما أنه لن یقع بالضرورة إذا لم نراقبھم. الاحتمال ضئیل من الأساس، ونظریة الاعتماد على برامج اختراق الخصوصیة إذا نجحت لن تقلل ھذا الاحتمال إلا بفارق طفیف.
وفي الختام.. نتمنى أن یدرك أي المجتمع أن مسألة الأمن مُقدَّمة على مراقبة الأشخاص، وھذا یعني احتیاجنا إلى بنیة تحتیة آمنة لنقل وتبادل المعلومات تمنع مراقبة الناس، بدلًا من استخدام بنیة تسمح بمراقبتھم بسھولة. صحیحٌ أن البنية التحتیة الحالیة في العالم یمكن استغلالھا لتبادل المعلومات لأغراض جیدة أو خبیثة، لكن ھذا لا یبرر انتھاك خصوصیة كل المستخدمين؛ سواء كانوا مجرمین أو أبریاء. فسارقو البنوك یستخدمون الطرق السریعة والكھرباء ویتسوقون في المتاجر ویأكلون في المطاعم، تمامًا مثلما یفعل أي شخص شریف، فھل یعني ھذا أن نُجرِّم استخدام الطرق السریعة مثلًا؟
الأبریاء والمجرمون على حدٍّ سواء یستخدمون الھواتف الجوالة والبرید الإلكتروني ویحفظون ملفاتھم على "دروب بوكس"، فھل یستدعي ھذا مراقبة كل من یستخدم ھذه الأدوات؟ الرد البدیھي ھو (لا) ینبغي أن یعیش الناس حیاتھم بحریة وخصوصیة؛ لأن الاستخدامات النزیھة والإیجابیة والمفیدة والسلمیة للبنیة التحتیة لتبادل المعلومات تفوق الاستخدامات الخبیثة والسلبیة والمؤذیة لھا.
** أستاذ إدارة الموارد البشرية بجامعتي البريمي والقاهرة، وخبير التطوير الشخصي والمؤسسي
