إجازة لهبطات العيدين

 

 

 

د. خالد بن علي الخوالدي

 

في زمن تتسارع فيه التغيرات الاجتماعية والاقتصادية تظل بعض الأفكار البسيطة قادرة على لفت الانتباه وإثارة التفكير الجاد حول كيفية الاستفادة من موروثنا الثقافي والاجتماعي، اليوم وأنا أتابع إحدى مجموعات الواتساب لفت نظري مقترح متداول، طرحه أحد المشاركين كوجهة نظر شخصية، إلّا أن الفكرة في جوهرها تستحق التوقف عندها والتأمل فيها بعمق.

يتمثل المقترح في ربط الإجازات الرسمية في عُمان بمناشط المجتمع التقليدية، وعلى وجه الخصوص "هبطات العيدين" التي تبدأ تقليديًا في كثير من ولايات السلطنة يوم السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك، وكذلك في السابع من شهر ذي الحجة.

هذه الفكرة رغم بساطتها تحمل في طياتها أبعادًا اجتماعية وثقافية واقتصادية تستحق النقاش؛ فالهبطة تقليد عُماني عريق ارتبط بوجدان المجتمع عبر أجيال طويلة، وفي تلك الأيام التي تسبق العيد تتحول ساحات الهبطات إلى فضاءات نابضة بالحياة؛ حيث يلتقي الناس من مختلف القرى والولايات في مشهد يعكس روح المجتمع العُماني وتماسكه.

ونتذكر ونحن أطفالا الفرحة العارمة والكبيرة التي كنَّا نشعر بها عندما نذهب مع الوالد- رحمة الله عليه- إلى هبطة العيد في ولاية الخابورة والتي تعد من أمْيَز الهبطات على مستوى السلطنة، وبعد ما كبرنا قليلًا شاركنًا الوالد في بيع المواشي والأغنام والحلوى العُمانية وبيع الأعلاف وغيرها من المناشط؛ حيث يعج السوق بكافة البضائع والمنتجات الخاصة بالأطفال والكبار، ومن كان يتجول في هذه الهبطة يدرك سريعًا أنها أكثر من مجرد عملية بيع وشراء، هناك حركة اجتماعية نابضة؛ أطفال يرافقون آباءهم بفرح وشباب يلتقون بأصدقائهم وكبار السن يستعيدون ذكرياتهم مع هذه الأسواق التي رافقتهم منذ الطفولة، إنها مناسبة اجتماعية بامتياز تعزز التواصل بين أفراد المجتمع وتعيد إحياء روح العيد قبل حلوله بأيام.

لكن الجانب الأهم في هذا المقترح يتمثل في دعوته إلى ربط الإجازات الرسمية بهذه الفعاليات المجتمعية؛ فبدلًا من أن تبدأ الإجازات قبيل العيد بيوم واحد يمكن أن تبدأ منذ الأيام التي تنطلق فيها الهبطات، مما يُتيح للناس فرصة المشاركة في هذا الحدث التراثي دون ضغوط العمل أو ضيق الوقت. وهذا الطرح لا يقتصر على البُعد الاجتماعي فقط؛ بل يمتد أيضًا إلى البُعد الاقتصادي؛ فالهبطات بطبيعتها أسواق نشطة، تشهد حركة تجارية كبيرة تشمل بيع المواشي والمنتجات المحلية والملابس والحلوى والألعاب وغيرها من مستلزمات العيد، ومع وجود إجازة رسمية تتزامن مع هذه الأيام يمكن أن يتضاعف النشاط الاقتصادي بشكل ملحوظ، إذ سيتفرغ النَّاس للتسوق والمشاركة في الفعاليات، مما يعود بالنفع على الباعة وأصحاب المشاريع الصغيرة والأسر المنتجة.

كما إنَّ هذه الخطوة قد تفتح بابًا مُهمًا أمام تسويق الهبطة العُمانية سياحيًا؛ فالعالم اليوم يبحث عن التجارب الثقافية الأصيلة، والسائح لم يعد يكتفي بزيارة الأماكن الطبيعية أو المعالم التاريخية، بل يرغب أيضًا في التعرف على العادات والتقاليد المحلية للمجتمعات. وهنا يُمكن للهبطات أن تتحول إلى منتج سياحي ثقافي فريد، خصوصًا وأنها تقليد لا يكاد يُوجد بهذا الشكل في دول الجزيرة العربية القريبة منَّا.

إن تنظيم الهبطات والترويج لها سياحيًا بالتزامن مع إجازات رسمية تتيح للجميع حضورها وقد يمنحها بُعدًا جديدًا يتجاوز حدود المجتمع المحلي إلى فضاء أوسع من الاهتمام الإقليمي والدولي، فالمشهد البصري للهبطة بما يحمله من ألوان الحركة والبضائع والأزياء التقليدية والازدحام الحيوي كفيلٌ بأن يكون مادة جذابة للزوار ووسائل الإعلام والمنصات السياحية. ومن زاوية أخرى فإنَّ ربط الإجازات بهذه المناشط الشعبية يمثل رسالة مهمة مفادها أن التراث جزء حي من الحياة اليومية يمكن استثماره بذكاء لخدمة المجتمع والاقتصاد معًا؛ فالكثير من الدول حول العالم نجحت في تحويل تقاليدها الشعبية إلى مواسم اقتصادية مزدهرة تستقطب الزوار وتدعم الاقتصاد المحلي.

ولعلَّ ما يُميز الهبطة العُمانية أنَّها نشأت أصلًا من رحم المجتمع، وبها من العفوية والبساطة ما يجعل الجميع يشعر بالسعادة والفرح والاستمتاع، إنها ممارسة اجتماعية طبيعية توارثها الناس عبر الأجيال، وهذا ما يمنحها أصالتها وقيمتها الثقافية.. ومن هنا فإنَّ دعمها وتطويرها لا يحتاج إلى اختراع جديد بقدر ما يحتاج إلى تنظيم وتخطيط واستثمار ذكي لهذا الإرث الجميل.

ودُمتم ودامت عُمان بخيرٍ.

الأكثر قراءة

z