خالد بن حمد الرواحي
في الجسد البشري هرمون يُسمّى «الكورتيزول»؛ يُفرَز حين يشعر الإنسان بالخطر أو التهديد. هو آليةُ حمايةٍ طبيعية تُبقي الجسد في حالة استعداد. لكن المشكلة لا تكمن في وجوده، بل في بقائه طويلًا؛ فحين يظلّ مرتفعًا، يتحوّل من إنذارٍ عابر إلى استنزافٍ مستمر، ومن طاقةٍ دفاعية إلى تعبٍ خفيّ لا يُرى.
والسؤال الذي يستحق أن يُطرَح خارج المختبرات: هل يمكن أن يكون لبيئة العمل «كورتيزولها» الخاص، تُفرِزه القيادة- من حيث لا تقصد- فتُبقي فرقها في حالة تأهّب دائم، كأنهم يعملون تحت تهديدٍ غير معلَن؟
في بعض البيئات، لا يصرخ أحد، ولا تُرفَع الأصوات، لكن التوتر يتسلّل إلى التفاصيل. قرارٌ يُعلَن فجأة، توجيهٌ يتبدّل دون تفسير، ملاحظةٌ عابرة تُقال أمام الجميع. تفاصيل تبدو عادية، لكنها تُراكم شعورًا خفيًا بأن الخطأ مُكلف، وأن الاجتهاد مغامرة، وأن الصمت أكثر أمانًا من المبادرة. ومع الوقت، يصبح الحذر أسلوبًا لا اختيارًا.
تأمّل موظفًا يدخل اجتماعًا وهو يفكّر لا في الفكرة التي سيطرحها، بل في الطريقة التي سيتجنّب بها اللوم. أو موظفةً تُعيد قراءة بريدها الإلكتروني ثلاث مرات، لا حرصًا على الجودة فقط، بل خوفًا من تعليقٍ يُساء فهمه. هنا لا يكون الضغط دافعًا، بل عبئًا داخليًا يُرهق التفكير قبل أن يبدأ.
التوتر المزمن لا يوقف الإنجاز فورًا، لكنه يُبدّل طبيعته. يجعل الإنسان أكثر حذرًا، أقل جرأة على التجربة، وأسرع انسحابًا عند أول تعثّر. في هذا المناخ، يتحوّل الخطأ إلى تهديد، والاجتماع إلى ساحة دفاع، والعمل إلى سلسلة احتياطات لا تنتهي. ومع الوقت، تتراجع الجرأة، وتضيق مساحة الابتكار، ويُختزل الأداء في حدّه الأدنى الآمن.
ليس كل ضغطٍ عبئًا؛ فبعضه يصنع الحماسة ويوقظ الطاقات. لكن الفارق بين ضغطٍ يُحفّز وآخر يُرهِق ليس في شدّته، بل في الشعور الذي يتركه. حين يشعر الفريق أن التحدي مشترك، وأن الخطأ لا يُسقِط قيمته، يتحوّل الضغط إلى دافع. أما حين يغيب الأمان، فتصبح كل مهمة امتحانًا، وكل يومٍ اختبارًا جديدًا.
وأحيانًا لا يبدأ هذا التوتر بقرارٍ كبير، بل بسلوكٍ يوميّ يتكرّر دون مراجعة. نبرةُ مساءلةٍ تفوق الحاجة، مقارنةٌ تُعقَد بين الأشخاص بدل الأداء، أو صمتٌ في لحظة كان يحتاج فيها الفريق توضيحًا بسيطًا. تفاصيل تبدو عابرة، لكنها تتراكم في الداخل، وتُعيد تشكيل طريقة تفكير الناس قبل أن يبدأوا العمل. ومع كل إشارةٍ صغيرة غير محسوبة، يرتفع منسوب الحذر… ويهبط منسوب الجرأة.
ربما لا تستطيع المؤسسات قياس مستوى التوتر كما تقيس مؤشرات الأداء، لكنه يظهر في وجوهٍ مرهقة، وأفكارٍ لا تُقال، وطاقاتٍ تنكمش إلى الحدّ الأدنى. فرقٌ تعمل تحت الضغط، وأخرى تعمل تحت التهديد؛ الأولى تتعلّم، والثانية تكتفي بالتجنّب.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال كم ننجز، بل بأي شعور ننجز. فالقائد لا يُحرّك الجداول فقط… بل يصوغ المناخ الداخلي الذي يتنفّسه فريقه كل يوم. وحين يغيب الأمان، يرتفع الكورتيزول- سواء ذكرنا اسمه أم لم نذكره.
